الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تنبيه

حق الفاصلة في هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا ، ومنه قوله تعالى : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) ( البقرة : 129 ) ، ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية ، والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد ، وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله ; لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه ، فلا بد وأن يكون حكيما ، فلا جرم كان اقترانهما مناسبا .

وقوله تعالى : ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) [ ص: 179 ] ( البقرة : 182 ) وجه المناسبة في الختم محمول على قول مجاهد : إن من حضر الموصي فرأى منه جنفا على الورثة في وصيته مع فقرهم ، فوعظه في ذلك وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا ، فلا إثم عليه ، وهو غفور للموصي إذا ارتدع بقول من وعظه ، فرجع عما هم به ، وغفرانه لهذا برحمته لا خفاء به ، والإثم المرفوع عن القائل يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق في الآية قبلها في قوله تعالى : ( فمن بدله بعدما سمعه ) ( البقرة : 181 ) يعني من الموصي ; أي لا يكون هذا المبدل داخلا تحت وعيد من بدل على العموم ; لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة ، فلا يكون كغيره ، وقد أشكل على ذلك مواضع منها قوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ( المائدة : 118 ) ، فإن قوله : ( وإن تغفر لهم ) يوهم أن الفاصلة " الغفور الرحيم " ، وكذا نقلت عن مصحف أبي - رضي الله عنه - وبها قرأ ابن شنبوذ ، ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة ; لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد أن يرد عليه حكمه ، فهو العزيز ; لأن العزيز في صفات الله هو الغالب ، من قولهم : عزه يعزه عزا إذا غلبه ، ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا ; لأن الحكيم من يضع الشيء في محله ، فالله تعالى كذلك ، إلا أنه قد يخفي وجه الحكمة في بعض أفعاله ، فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة ، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن ، أي : وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك ، والحكمة فيما فعلته . وقيل : لا يجوز " الغفور الرحيم " ؛ لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب في قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) ( النساء : 48 ) ، وقيل : لأنه مقام تبر [ ص: 180 ] فلم يذكر الصفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل في ذلك بأنه العزيز الغالب . وقوله : الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها ، فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة .

وقيل : ليس هو على مسألة الغفران ، وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ، ولو قيل : " فإنك أنت الغفور الرحيم " لأوهم الدعاء بالمغفرة ، ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه لا لنبي ولا لغيره . وأما قوله : ( فإنهم عبادك ) وهم عباده ، عذبهم أو لم يعذبهم ، فلأن المعنى : إن تعذبهم ، تعذب من العادة أن تحكم عليه ، وذكر العبودية التي هي سبب القدرة كقول رؤبة :

يا رب إن أخطأت أو نسيت فأنت لا تنسى ولا تموت .

والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت ، أخطأ رؤبة أو أصاب ، فكأنه قال : إن أخطأت تجاوزت لضعفي وقوتك ، ونقصي وكمالك .

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة " براءة " : ( أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ( التوبة : 71 ) ، والجواب ما ذكرناه .

ومنه قوله تعالى في سورة الممتحنة : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) ( الآية : 5 ) .

ومثله في سورة غافر في قول السادة الملائكة : ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ) ( الآية : 8 ) .

ومنه قوله تعالى : ( والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ) ( النور : 9 و 10 ) فإن الذي يظهر في أول النظر أن الفاصلة " تواب رحيم " ؛ لأن الرحمة مناسبة للتوبة ، وخصوصا من هذا الذنب العظيم ، ولكن [ ص: 181 ] هاهنا معنى دقيق من أجله قال : حكيم ؛ وهو أن ينبه على فائدة مشروعية اللعان وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة ، وذلك من عظيم الحكم ، فلهذا كان " حكيم " بليغا في هذا المقام دون " رحيم " .

ومن خفي هذا الضرب قوله تعالى في سورة البقرة : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ) ( الآية : 29 ) .

وقوله في آل عمران : ( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ) ( الآية : 29 ) فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آية آل عمران الختم بالعلم ، لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة في الآيتين ، وكذلك قوله تعالى : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) ( الأنعام : 147 ) مع أن ظاهر الخطاب " ذو عقوبة شديدة " ؛ وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته ، وذلك أبلغ في التهديد ، ومعناه : لا تغتروا بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته ، فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم .

وقريب منه : ( رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا ) ( النبأ : 37 ) .

وأما قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) ( الأنفال : 49 ) ، فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون ، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر ، على قتال المشركين ، وهم زهاء ألف ، متوكلين على الله تعالى ، وقال المنافقون : ( غر هؤلاء دينهم ) ( الأنفال : 49 ) حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم قال الله تعالى ردا على المنافقين ، وتثبيتا للمؤمنين : ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) ( الأنفال : 49 ) في جميع أفعاله .

وأما قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) [ ص: 182 ] ( الإسراء : 44 ) فإن قيل ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها ؟ أجاب صاحب " الفنون " بثلاثة أوجه :

أحدها : إن فسرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر ، وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل ، فكأنه سبحانه يقول إنه كان من كبير إغفالكم النظر في دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك . وموضع العتب قوله تعالى : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) ( يوسف : 105 ) ، كذلك موضع المعتبة قوله : ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ( الإسراء : 44 ) ، وقد كان ينبغي أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله ، مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه ، فهذا موضع حلم وغفران عما جرى في ذلك من الإفراط والإهمال .

الثاني : إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه : الأشياء كلها تسبحه وتحمده ، ولا عصيان في حقها ، وأنتم تعصون ، فالحلم والغفران للتقدير في الآية ، وهو العصيان .

وفي الحديث : لولا بهائم رتع ، وشيوخ ركع ، وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا .

الثالث : أنه سبحانه قال في أولها : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ ص: 183 ] ( الإسراء : 44 ) أي أنه كان لتسابيح المسبحين حليما عن تفريطهم ، غفورا لذنوبهم ، ألا تراه قال في موضع آخر : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) ( الشورى : 5 ) ، وكأنها اشتملت على ثلاثة معان : إما العفو عن ترك البحث المؤدي إلى الفهم ، لما في الأشياء من العبر ، وأنتم على العصيان . أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه ، ومنها ما يعصيه ويخالفه ، فيغفر عصيانهم بتسابيحهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث