الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصدقة على اليتامى

1396 [ ص: 453 ] 47 - باب: الصدقة على اليتامى .

1465 - حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن يحيى، عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: " إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ما شأنك تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه. قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال: "أين السائل؟ " وكأنه حمده. فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضراء، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل -أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة". [انظر: 921 - مسلم: 1052 - فتح: 3 \ 327].

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري أنه - عليه السلام - جلس ذات يوم على المنبر ..

وذكر الحديث: "وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل -أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة".

الشرح:

هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر بلفظ: "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا" قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول [ ص: 454 ] الله؟ قال: "بركات الأرض" وفي آخره: "فمن أخذه بحقه ودفعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه .. " الحديث . وفي لفظ: "أين السائل آنفا؟ أو خير هو -ثلاثا- إن الخير لا يأتي إلا بالخير" .

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجهين:

أولهما: في ألفاظه: "زهرة الدنيا": يقال لحسن الدنيا وبهجتها الزهرة والزهراء مأخوذ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من نوارها، قاله في "الموعب"، والنور: قال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها.

وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء. وفي "مجمع الغرائب": هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين، والثياب، والزرع، وغيرها بما يغتر الخلق بحسنها مع قلة بقائها.

وفي "المحكم": زهرة الدنيا وزهرتها .

و (الرحضاء): العرق الشديد، قال ابن بطال: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته . ورحض الرجل إذا أصابه ذلك فهو رحيض ومرحوض. وعبارة الخطابي: الرحضاء: عرق يرحض الجلد لكثرته .

وقوله: ("أويأتي الخير بالشر؟ ") هو بهمزة الاستفهام، وواو العطف -الواقعة بعدها- المفتوحة على الرواية الصحيحة، منكرا على [ ص: 455 ] من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلا لا بالذات ولا بالعرض، نعم قد يعرض له ما يجعله شرا إذا أسرف فيه ومنع من حقه.

وقوله: ("وإن مما ينبت الربيع") قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف; لأن قوله: فرأينا ينزل عليه، يريد: الوحي.

وقوله: ("وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم") حذف (ما) قبل يقتل وحذف حبطا، والحديث: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم" فحذف حبطا، وحذف (ما). قال القزاز: وقد رويناه بها.

قال ابن دريد في "وشاحه": هذا من الكلام الفرد الموجز الذي لم يسبق إليه، وهو أكثر من سبعين لفظة، ذكرها مفصلة، وروايته فيه (لما) بلام وما.

وقوله: ("إلا آكلة الخضر") يعني: التي تخرج مما جمعت منه ورعت، وما ينفعها إخراجه مما لو أمسكه; لضره إثمه كما يضر التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه. ويبين هذا المعنى قوله - عليه السلام - في المال: "فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل" وفي هذا تفضيل المال.

وقال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتنهكه أكلا، ولكنه من الجنبة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما اخضر من الكلإ الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه شيئا فشيئا فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. وقد ذكره طرفة وبين أنه نبت في الصيف فقال:

[ ص: 456 ] إذا أنبتا الصيف عساليج الخضر.

والخضر من كلإ الصيف وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوكله ولا تحبط بطونها عليه .

وقال أبو عبد الملك: يريد لو استوفت نبت الربيع ربما قتلها، وهو خير، وكذلك المال إذا منع منه فإنه يهلكه وهو خير أيضا. وقال غيره: أراد بآكلة الخضر المقتصد على قدر الكفاية من الدنيا، فضربه - عليه السلام - مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: "أكلت حتى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس; فثلطت وبالت" أراد أنها شبعت منه بركت مستقبلة الشمس; تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط، فإذا ثلطته فقد زال عنها الحبط وهو انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل، وإنما يحبط الماشية; لأنها لا تثلط، ولا تبول، ومنه قوله تعالى: حبطت أعمالهم [المائدة: 53] أي: بطلت.

ووقع في رواية العذري: "إلا آكلة الخضرة" على الإفراد، وعند الطبري : "الخضرة" "وثلطت" بفتح اللام، وبه صرح الجوهري وغيره ، قال ابن التين: وهو ما سمعناه. وضبطه بعضهم بكسرها.

قال الجوهري: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقا وكذا قال ابن فارس وصاحب "المحكم" حيث قال: ثلط الثور والبعير والصبي يثلط ثلطا سلح سلحا رقيقا. وفي "مجمع الغرائب" خرج رجيعها -يعني: آكلة الخضر- عفوا من غير مشقة; لاسترخاء ذات بطنها فيبقى [ ص: 457 ] نفعها وتخرج فضولها ولا تتأذى. وفي "المغيث": وأكثر ما يقال للبعير والفيل .

و"الربيع": جزء من أجزاء السنة، فمن العرب من يجعله الفصل الذي يدرك فيه الثمار، وهو الخريف، ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.

قال أبو حنيفة في كتاب "الأنواء": يسمى قسما الشتاء ربيعين: الأول منهما: ربيع الماء والأمطار، والثاني: ربيع النبات; لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. قال: والشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع: أربعة ورباع، وربما سمي الكلأ والعشب ربيعا، والربيع أيضا: المطر الذي يكون بعد الوسمي، والربيع: ما تعتلفه الدواب من الخضر، والجمع من كل ذلك: أربعة.

وقوله: ("أو يلم") أي: يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشيء: قرب. "ورتعت" رعت، أرتع إبله: رعاها في الربيع، أرتع وارتبع الفرس وتربع: أكل الربيع. وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي، وليس كذلك. ورتعت عند أهل اللغة: اتسعت في المرعى، وإنما استقبلت عين الشمس; لأنه الحين الذي تشتهى فيه الشمس، فإذا ألقته مجتمعا ليس ببعر اشتهت المرعى فرتعت، فجعل هذا مثلا لمن يأخذ البعر، ووجه المثل من الحديث أن يقول: نبات الربيع خير، [ ص: 458 ] ولكن ربما قتل بهذا الداء -يعني: الحبط- أو قارب القتل. قال الأزهري: هذا الحديث فيه مثلان:

أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، فهي آكلة الربيع; لأنه ينبت أحرار البقول، والعشب فتستكثر منه الماشية; فيشق أمعاءها.

والثاني: ضربه مثلا للمقتصد، وهو قوله: "إلا آكلة الخضر". وقد سلف.

وقوله: ("وإن هذا المال خضرة حلوة") يريد أن صورة الدنيا ومتاعها حسنة مؤنقة، والعرب تسمي الشيء الحسن المشرق الناضر خضرا; تشبيها له بالنبات الأخضر الغض. ويقال: سمي الخضر خضرا لحسن وجهه وإشراقه، قال تعالى: فأخرجنا منه خضرا [الأنعام: 99] ومنه قولهم: اختضر الرجل إذا مات شابا; لأنه يؤخذ في وقت الحسن والإشراق. يقول: إن المال يعجب الناظرين إليه، ويحلو في أعينهم فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه، فإذا فعلوا ذلك تضرروا به كالماشية إذا استكثرت من المرعى ثلطت أي: سلحت سلحا رقيقا.

وقال ابن الأنباري: قوله: "خضرة": حلوة لم يأت على الصفة، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه كأنه قال: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة، ويقول: إن هذا السجود حسنة، والسجود مذكر، فكأنه قال: السجود فعلة حسنة.

وقوله: ("نعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل") يقول: إن من أعطي مالا وسلط على هلكته في الحق، فأعطى [ ص: 459 ] من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه.

وقوله: "وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع" يعني: إنه كلما نال منه شيئا ازدادت رغبته، واستقل ما في يده، ونظر إلى من فوقه فنافسه.

وقوله: "ويكون شهيدا عليه يوم القيامة" يجوز أن يكون على ظاهره، وأنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت بما فعل فيه، أو يمثل له بمثال حيوان كما سلف، أو يشهد عليه الموكلون بكتب السبب والإنفاق.

الوجه الثاني: في فوائده:

الأولى: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله.

الثانية: خوف المنافسة; لقوله: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا".

الثالثة: استفهامهم بضرب المثل، وقول الرجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يريد المال، وقد سمى الله تعالى المال خيرا في قوله: إن ترك خيرا [البقرة: 180] وضربه - صلى الله عليه وسلم - مثلا.

الرابعة: سكوت العالم عند السؤال وتأخر جوابه طلبا لليقين، فقد سكت - عليه السلام - عند ذلك.

الخامسة: اللوم عند خوف كراهة المسألة والاعتراض، إذا لم يكن موضعه بينا ينكر على المعترض به، ألا تراهم أنكروا على السائل. وقالوا: إن من سأل العالم وباحثه عما ينتفع به ويفيد، حكمه أنه محمود من فعله.

[ ص: 460 ] السادسة: معرفتهم حالة نزول الوحي عليه - عليه السلام -; لقوله: (فرأينا أنه ينزل عليه).

السابعة: مسح الرحضاء; لشدة الوحي عليه، وهو شدة العرق الذي أدركه عند نزوله عليه.

الثامنة: دعاء السائل; لقوله: "أين السائل؟ " سأل عنه; ليجيبه.

التاسعة: ظهور البشرى; لقوله: (وكأنه حمده) أي: لما رأوا فيه من البشرى; لأنه كان إذا سر برقت أسارير وجهه.

العاشرة: احتج به قوم على تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه; لأنه - عليه السلام - لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاقه في حقه إذا كسبوه من غير وجهه.

الحادية عشرة: ضرب الأمثال بالأشياء التافهة.

الثانية عشرة: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة; ليبينها.

الثالثة عشرة: الحض على إعطاء هذه الأصناف: المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وقد ورد في الحديث أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب، وسيأتي في الأدب -إن شاء الله تعالى- في فضل من يعول يتيما .

الرابعة عشرة: أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك فيه; لقوله "كالذي يأكل ولا يشبع"; لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة، وأبقى في قلوب آكليه ومكتسبيه الفاقة، وقلة القناعة، ويشهد لهذا [ ص: 461 ] قول الله جل جلاله: يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة: 276] فالمحق أبدا في المال المكتسب من غير وجهه.

الخامسة عشرة: أن للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال وغيره، وتنبيههم على مواضع الخوف من الافتتان به كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن مما أخاف عليكم" فوصف لهم ما يخاف عليهم، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة وهي إطعام هؤلاء الثلاثة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث