الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب ما جاء في العزل

حدثني يحيى عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أنه قال دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل فقال أبو سعيد الخدري خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء فأردنا أن نعزل فقلنا نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة [ ص: 343 ]

التالي السابق


[ ص: 343 ] 34 - باب ما جاء في العزل

هو الإنزال خارج الفرج .

1262 1251 - ( مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ) فروخ المدني الفقيه ( عن محمد بن يحيى بن حبان ) بفتح المهملة والموحدة ، قال ابن عبد البر : هذا من رواية النظير عن النظير والكبير عن الصغير ( عن ابن محيريز ) بضم الميم ومهملة وراء وزاي آخرا ، مصغرا ، عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب الجمحي ، بضم الجيم وفتح الميم فمهملة ، المكي ، كان يتيما في حجر أبي محذورة ، ثم نزل بيت المقدس ، تابعي ، ثقة ، عابد ، مات سنة تسع وتسعين وقيل قبلها ( أنه قال : دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري ) سعد بن مالك بن سنان ( فجلست إليه فسألته عن العزل ) أهو جائز أم لا ؟ ( فقال أبو سعيد الخدري : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلق ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المشالة المهملتين وكسر اللام فقاف ، لقب جذيمة بن سعد الخزاعي ، سمي بذلك لحسن صوته ، وكان أول من غنى من خزاعة ، وهي غزوة المريسيع ، بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتية وكسر المهملة وإسكان التحتية الثانية وعين مهملة ، ماء لبني خزاعة ، وفي أنها سنة ست أو خمس أو أربع خلاف ، وسببها أنه - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن بني المصطلق يجمعون له ، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار ، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم ، يقال له المريسيع ، قريب إلى الساحل ، فتزاحف الناس واقتتلوا ، فهزمهم الله وقتل منهم ونقل - صلى الله عليه وسلم - نساءهم وأبناءهم وأموالهم ، كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة . والذي في الصحيح عن ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة ولفظه : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق ، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء ، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم " . الحديث ، قال الحافظ : فيحتمل أنهم حين الإيقاع ثبتوا قليلا ، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكونوا لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافوا ووقع القتال بينهم ثم وقعت الغلبة عليهم .

( فأصبنا سبيا من سبي العرب ) أي نساء أخذناها منهم ، وفي رواية لمسلم : فسبينا كرائم العرب ( فاشتهينا النساء ) أي جماعهن ( واشتدت ) قويت ( علينا العزبة ) [ ص: 344 ] بضم المهملة وإسكان الزاي ، فقد الأزواج والنكاح ، وهذا يشبه عطف العلة على المعلول . وفي رواية إسماعيل بن جعفر : وطالت علينا العزبة . قال القرطبي : أي تعذر علينا النكاح لتعذر أسبابه ، لا أن ذلك لطول الإقامة ; لأن غيبتهم عن المدينة لم تطل . اهـ . وفيه نظر ، فقد ذكر ابن سعد وغيره أن غيبتهم في هذه الغزوة كانت ثمانية وعشرين يوما ( وأحببنا الفداء ) ولمسلم : ورغبنا في الفداء ( فأردنا أن نعزل ) خوفا من الحمل المانع من الفداء الذي أحببناه ( فقلنا نعزل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا ) أي بيننا ، وأظهر زائدة ( قبل أن نسأله ) عن الحكم ; لأنه وقع في نفوسهم أنه من الوأد الخفي كالفرار من القدر ، قاله المازري . وفي رواية : وكنا نعزل ثم سألنا ، فجمع بينهما بأن منهم من سأل قبل العزل ومنهم من سأل بعده ، وبأن معنى نعزل عزمنا عليه فيرجع معناها إلى الأولى . ( فسألناه عن ذلك ) زاد في رواية جويرية عن مالك فقال : أوإنكم لتفعلون ، قالها ثلاثا . وظاهره أنه - صلى الله عليه وسلم - ما اطلع على فعلهم فيشكل معقول جابر في الصحيح : كنا نعزل على عهد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ينزل ; لأن الصحابي إذا قال : كنا نفعل كذا على عهد النبي يكون مرفوعا ; لأن الظاهر اطلاعه عليه . وأجيب بأن دواعيهم كانت متوفرة على سؤاله عن أمور الدين فإذا عملوا شيئا وعلموا أنه لم يطلع عليه بادروا إلى السؤال عن حكمه ، فيكون الظهور من هذه الحيثية .

( فقال : ما عليكم ) بأس ( أن لا تفعلوا ) أي ليس عدم الفعل واجبا عليكم ، أو لا زائدة ، أي لا بأس عليكم في فعله . وحكى ابن عبد البر عن الحسن البصري أن معناه النهي أي لا تفعلوا العزل ( ما من نسمة ) بفتحات ، أي نفس ( كائنة ) أي قدر كونها في علم الله ( إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ) أي موجودة في الخارج ، سواء عزلتم أم لا ، فلا فائدة في العزل ، فإنه إن كان خلقها سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرص وقد خلق الله آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ضلع منه ، وعيسى من غير ذكر . وعند أحمد والبزار وصححه ابن حبان عن أنس : " أن رجلا سأل عن العزل ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا ، أو يخرج الله منها ولدا ، ليخلقن الله نفسا هو خالقها " . وفي مسلم عن جابر : " أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا ، وأنا أطوف عليها ، وأنا أكره أن تحمل ، فقال : اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ، فلبث الرجل ثم أتاه فقال : إن الجارية قد حبلت ، فقال : قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها " . وفي رواية له : " فقال أنا عبد الله ورسوله " . قال أبو عمر في حديث الباب : إنهم انطلقوا على وطء ما وقع في سهامهم من النساء ، وإنما يكون ذلك بعد الاستبراء ، بشرط أن تكون الأمة كتابية فإن كان سبي بني المصطلق كتابيات ; لأن من العرب [ ص: 345 ] من تهود وتنصر فذاك ، وإن كن وثنيات لم يحل وطؤهن بالملك إلا بعد الإسلام عند الجمهور لقوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) ( سورة البقرة : الآية 221 ) وقد روى عبد الرزاق عن الحسن قال : كنا نغزو مع الصحابة ، فإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغلست ثيابها واغتسلت ثم علمها الإسلام ثم أمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة ثم أصابها . اهـ بمعناه . وأجيب أيضا بأنهن أسلمن . ولا يصح لقوله : " وأحببنا الفداء " إذ لا يقال هذا فيمن أسلم ، ورد بأن الإسلام لا يمنع ملك السابي ، بل يستمر بعد الإسلام ، فيجوز فداؤه وبيعه ولو أسلم ، وبأنه كان يجوز أول الإسلام وطء الأمة المشركة ثم نسخ ، ولا يصح لاحتياجه إلى دليل ، ويحتمل أن السؤال وقع عن وطء من أسلم منهن ، ولو بقي الحديث على ظاهره في الوطء قبل الإسلام لبقي أيضا على ظاهره في القدوم عليه قبل الاستبراء ، وهو ممنوع اتفاقا ، فلا بد من تأويل الأمرين ، وحديث الحسن برفع الإشكال عنهما معا ، وفيه حجة للجمهور في منع بيع أم الولد لامتناعهم من الفداء للحمل ، والفداء بيع والإجماع عليه وهي حامل خوف رق الولد ، وإنما الخلاف في بيعها بعد الوضع والجمهور على المنع ، وفيه استرقاق جميع العرب كقريش ، وبه قال الجمهور ومالك والشافعي في الجديد وقال في القديم وأبو حنيفة وابن وهب : لا يجري عليهم الرق لشرفهم ، فإن أسلموا وإلا قتلوا . وأخرج البخاري في العتق عن عبد الله بن يوسف عن مالك به ، وتابعه إسماعيل بن جعفر عن ربيعة عند الشيخين ، وروياه جميعا عن شيخهما عبد الله بن محمد ابن أسماء عن عمه جويرية ابن أسماء عن مالك عن الزهري عن ابن محيريز عن أبي سعيد أخبره أنه قال : " أصبنا سبايا وكنا نعزل ، ثم سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال لنا : أوإنكم لتفعلون ، ثلاثا ، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة " . قال ابن عبد البر : وما أظن أحدا رواه عن مالك بهذا الإسناد غير جويرية . اهـ . لكنها ليست بشاذة عن مالك فهو عنده بالإسنادين . وقد تابعه شعيب عند البخاري في البيع ، ويونس عنده في القدر ، وعقيل عنده ، كلهم عن الزهري عن ابن محيريز به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث