الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه "

[ القول في تأويل قوله تعالى : ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ( 30 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز في مدينة مصر ، وشاع من أمرهما فيها ما كان ، فلم ينكتم ، وقلن : ( امرأة العزيز تراود فتاها ) ، عبدها ( عن نفسه ) ، كما : -

19137 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وشاع الحديث في القرية ، وتحدث النساء بأمره وأمرها ، وقلن : ( امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ) ، أي : عبدها .

وأما " العزيز " فإنه : " الملك " في كلام العرب ، ومنه قول أبي دؤاد :


درة غاص عليها تاجر جليت عند عزيز يوم طل



يعني بالعزيز ، الملك ، وهو من " العزة " . [ ص: 63 ]

وقوله : ( قد شغفها حبا ) ، يقول قد وصل حب يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته ، حتى غلب على قلبها .

و " شغاف القلب : " حجابه وغلافه الذي هو فيه ، وإياه عنى النابغة الذبياني بقوله :


وقد حال هم دون ذلك داخل     دخول شغاف تبتغيه الأصابع



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

19138 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عمرو بن دينار ، أنه سمع عكرمة يقول في قوله : ( شغفها حبا ) قال : دخل حبه تحت الشغاف .

19139 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( قد شغفها حبا ) ، قال : دخل حبه في شغافها .

19140 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( قد شغفها حبا ) ، قال : دخل حبه في شغافها .

[ ص: 64 ] 19141 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( قد شغفها حبا ) ، قال : كان حبه في شغافها .

19142 - . . . . قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثل حديث الحسن بن محمد ، عن شبابة .

19143 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( قد شغفها حبا ) ، يقول : علقها حبا .

19144 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( قد شغفها حبا ) ، قال : غلبها .

19145 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي عن أبيه عن أيوب بن عائذ الطائي عن الشعبي : ( قد شغفها حبا ) ، قال : " المشغوف : " المحب ، و " المشعوف " ، المجنون .

19146 - . . . . وبه قال ، حدثنا أبي ، عن أبي الأشهب ، عن أبي رجاء والحسن : ( قد شغفها حبا ) ، قال أحدهما : قد بطنها حبا . وقال الآخر : قد صدقها حبا .

19147 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( قد شغفها حبا ) ، قال : قد بطنها حبا قال يعقوب : قال أبو بشر : أهل المدينة يقولون : " قد بطنها حبا " .

19148 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن [ ص: 65 ] الحسن ، قال : سمعته يقول في قوله : ( قد شغفها حبا ) ، قال : بطنها حبا . وأهل المدينة يقولون ذلك .

19149 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، عن قرة ، عن الحسن : ( قد شغفها حبا ) ، قال : قد بطن بها حبا .

19150 - حدثنا الحسن ، قال : حدثنا أبو قطن ، قال : حدثنا أبو الأشهب ، عن الحسن : ( قد شغفها حبا ) ، قال : بطنها حبه .

19151 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة . عن الحسن : ( قد شغفها حبا ) ، قال : بطن بها .

19152 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( قد شغفها حبا ) ، قال : استبطنها حبها إياه .

19153 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( قد شغفها حبا ) ، أي : قد علقها .

19154 - حدثني الحارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد : ( قد شغفها حبا ) ، قال : قد علقها حبا .

19155 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : هو الحب اللازق بالقلب .

19156 - حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد ، قال : سمعت عبيد بن سليمان ، في قوله : ( قد شغفها حبا ) ، يقول : هلكت عليه حبا ، و " الشغاف : " شغاف القلب .

19157 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن محمد ، قال : حدثنا [ ص: 66 ] أسباط ، عن السدي : ( قد شغفها حبا ) ، قال : و " الشغاف : " جلدة على القلب يقال لها : " لسان القلب " ، يقول : دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب .

وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأته عامة قرأة الأمصار بالغين : ( قد شغفها ) ، على معنى ما وصفت من التأويل .

وقرأ ذلك أبو رجاء : " قد شعفها " بالعين .

19158 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا أبو قطن ، قال : حدثنا أبو الأشهب ، عن أبي رجاء : " قد شعفها " .

19159 - . . . . قال : حدثنا خلف ، قال : حدثنا هشيم ، عن أبي الأشهب ، أو عوف عن أبي رجاء : " قد شعفها حبا " ، بالعين .

19160 - . . . . قال : حدثنا خلف ، قال : حدثنا محبوب ، قال : قرأه عوف : " قد شعفها " .

19161 - . . . . قال : حدثنا عبد الوهاب ، عن هارون ، عن أسيد ، عن الأعرج : " قد شعفها حبا " ، وقال : شعفها إذا كان هو يحبها .

ووجه هؤلاء معنى الكلام إلى أن الحب قد عمها .

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول : هو من قول القائل : [ ص: 67 ] " قد شعف بها " ، كأنه ذهب بها كل مذهب ، من " شعف الجبال " ، وهي رءوسها .

وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال : " الشغف " ، شغف الحب و " الشعف " ، شعف الدابة حين تذعر .

19162 - حدثني بذلك الحارث ، عن القاسم ، أنه قال : يروى ذلك عن أبي عوانة ، عن مغيرة عنه .

قال الحارث : قال القاسم ، يذهب إبراهيم إلى أن أصل " الشعف " ، هو الذعر . قال : وكذلك هو كما قال إبراهيم في الأصل ، إلا أن العرب ربما استعارت الكلمة فوضعتها في غير موضعها ; قال امرؤ القيس :


أتقتلني وقد شعفت فؤادها     كما شعف المهنوءة الرجل الطالي



قال : و " شعف المرأة " من الحب ، و " شعف المهنوءة " من الذعر ، فشبه لوعة الحب وجواه بذلك .

وقال ابن زيد في ذلك ما : -

19163 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( قد شغفها حبا ) قال : إن " الشغف " و " الشعف " ، مختلفان ، [ ص: 68 ] و " الشعف " ، في البغض و " الشغف " في الحب .

وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له ، لأن " الشعف " في كلام العرب بمعنى عموم الحب ، أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم .

قال أبو جعفر : والصواب في ذلك عندنا من القراءة : ( قد شغفها ) ، بالغين ، لإجماع الحجة من القرأة عليه .

وقوله : ( إنا لنراها في ضلال مبين ) ، قلن : إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه ، وغلبة حبه عليها ، لفي خطأ من الفعل ، وجور عن قصد السبيل " مبين " ، لمن تأمله وعلمه أنه ضلال ، وخطأ غير صواب ولا سداد . وإنما كان قيلهن ما قلن من ذلك ، وتحدثهن بما تحدثن به من شأنها وشأن يوسف ، مكرا منهن ، فيما ذكر ، لتريهن يوسف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث