الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم

( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم )

قوله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم )

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا ، وهو الختم ، والكلام ههنا يقع في مسائل :

( المسألة الأولى ) : الختم والكتم أخوان ؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية ، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه ، والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة .

المسألة الثانية : اختلف الناس في هذا الختم ، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر ، ثم لهم قولان ، منهم من قال : الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار ، ومنهم من قال : هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سببا موجبا لوقوع الكفر ، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادرا على تركه أو لا يكون ، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر ، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر ، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء ، فإما أن يكون صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أو لا يتوقف ، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح ، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر ، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال ، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أو لا من فعل الله ولا من فعل العبد ، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل ، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد ؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر ، وذلك يبطل القول بالصانع . فثبت أن كون قدرة العبد مصدرا للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى . فنقول : إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجبا أو جائزا أو ممتنعا ، والثاني والثالث باطل ، فتعين الأول ، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزا لأنه لو كان جائزا لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر ، وأخرى منفكا عنه ، فلنفرض وقوع ذلك ؛ لأن كل ما كان جائزا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر ، وأخرى لا يترتب عليه الأثر ، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على [ ص: 46 ] انضمام قرينة إليه ، أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة ، لا ذلك المجموع ، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا ، وأيضا فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني ، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يتوقف فحينئذ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدرا للأثر ، وأخرى بحيث لا يكون مصدرا له ، مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة ، فيكون هذا قولا بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال . فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزا ، وأما أنه لا يكون ممتنعا فظاهر ، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحا للعدم وهو محال ، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة ، ومن ذلك المرجح ، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازما ؛ لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعا ، وبعد حصوله يكون واجبا ، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختما على القلب ومنعا له عن قبول الإيمان ؛ فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له ؛ لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول ، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة ، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى . وأما المعتزلة فقد قالوا : إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان ، واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى ، وزادوا ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا : إن على قلوبهم كنا وغطاء يمنعهم عن الإيمان ( وقالوا قلوبنا غلف ) [البقرة : 88] ، ( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) [النساء : 155] ، وقال : ( فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) [فصلت : 4 ، 5] وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ، ثم قالوا : بل لا بد من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ، ثم ذكروا فيه وجوها :

أحدها : أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالإلف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه ، وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئا ، وكأن بآذانهم وقرا حتى لا يخلص إليها الذكر ، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى ؛ لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي ؛ ولهذا قال تعالى : ( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ) [النساء : 155] ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) [المطففين : 14] ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) . [التوبة : 77] .

وثانيها : أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر ، إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب .

وثالثها : أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى الذكر ، وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى ؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة : ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [التوبة : 125] أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم .

ورابعها : أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ، إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف ، فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعارا بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر ، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي .

وخامسها : أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما به من قولهم : ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) [فصلت : 5] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله : [ ص: 47 ] ( ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) [البينة : 1] .

وسادسها : الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه : أريد أن تختم على ما يقوله فلان ، أي تصدقه وتشهد بأنه حق ، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون ، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم .

وسابعها : قال بعضهم : هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقابا لهم في العاجل ، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا ، فقال : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) [البقرة : 65] وقال : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) [المائدة : 26] ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعباده والصلاح لهم ، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع ، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعا يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ، ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين .

وثامنها : يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الإيمان ، بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه ، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم ، فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ، ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ، ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه ، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد .

وتاسعها : يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم ، قال : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) [الإسراء : 97] وقال : ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) [طه : 102] وقال : ( اليوم نختم على أفواههم ) [يس : 65] وقال : ( لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ) [الأنبياء : 100] .

وعاشرها : ما حكوه عن الحسن البصري - وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي - أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم ، فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار ، وعلى أنهم لا يؤمنون أبدا ، فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) [المجادلة : 22] وحينئذ الملائكة يحبونه ويستغفرون له ، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه ، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة ؛ لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافرا ملعونا عند الله تعالى صار ذلك منفرا لهم عن الكفر . أو إلى المكلف ، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السماوات صار ذلك مرغبا له في الإيمان ، وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجرا له عن الكفر . قالوا : والختم بهذا المعنى لا يمنع ؛ لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه ، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر ، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر . قالوا : وإنما خص القلب والسمع بذلك ؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع ، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب ، ولهذا خصهما بالذكر .

[ ص: 48 ] فإن قيل : فيتحملون الغشاوة في البصر أيضا على معنى العلامة ؟ قلنا : لا ؛ لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة ، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك ، ولا مانع منه ، فوجب إثباته . أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ، ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك ، فلا بد من حمله على المجاز ، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية . فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث