الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان أن التوبة الصحيحة مقبولة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بيان أن التوبة الصحيحة مقبولة :

اعلم أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة ، فإن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة كما لا طاقة لظلام الليل مع بياض النهار ، وكما أن استعمال الثواب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة ، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب ، وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه ، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول كما أن كل ثوب نظيف هو مقبول ، فإنما عليك التزكية والتطهير ، وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له ، وهو المسمى فلاحا في قوله : ( قد أفلح من زكاها ) [ الشمس : 9 ] .

فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول ، إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب فلا يقوى الصابون على قلعه ، فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب ، فمثل هذا القلب لا يرجع ، ولا يتوب . نعم قد يقول باللسان : تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه : قد غسلت الثوب وذلك لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به . فهذا حال امتناع أصل التوبة ، وهو غير بعيد ، بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية .

هذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ، ولكنا نعضد جناحه ببعض آيات وأخبار ، فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به . قال تعالى : ( غافر الذنب وقابل التوب ) [ غافر : 3 ] وقال سبحانه : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) [ الشورى : 25 ] وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ، ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " وبسط اليد كناية عن طلب التوبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " .

بيان ما تكون عنه التوبة وهي الذنوب :

اعلم أن التوبة ترك الذنب ، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته ، وإذا كانت التوبة [ ص: 273 ] واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا ، فمعرفة الذنوب إذا واجبة ، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله - تعالى - في ترك أو فعل . ثم إن مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات : صفات ربوبية ، وصفات شيطانية ، وصفات بهيمية ، وصفات سبعية .

فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر وحب المدح والثناء وحب دوام البقاء ، وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول : " أنا ربكم الأعلى " وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها ذنوبا ، وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي .

الثانية : هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمنكر ، وفيه يدخل الغش والنفاق ، والدعوة إلى البدع والضلال .

الثالث : الصفة البهيمية ، ومنها يتشعب الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج ، ومنه يتشعب الزنا واللواط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام لأجل الشهوات .

الرابعة : الصفة السبعية ، ومنها يتشعب الغضب والحقد والتهجم على الناس بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال ، ويتفرع عنها جمل من الذنوب .

فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح ، فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس ، وبعضها على العين والسمع ، وبعضها على اللسان ، وبعضها على البطن والفرج ، وبعضها على اليدين والرجلين ، وبعضها على جميع البدن ، ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه واضح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث