الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 131 ] ( 539 )

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما كان بيد الفرنج

في هذه السنة سادس جمادى الآخرة ، فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة الرها من الفرنج ، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضا ، وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة ، وشرهم قد استطار فيها ، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها ، وبلغت آمد ، ونصيبين ورأس عين ، والرقة .

وكانت مملكتهم بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها ، وسروج ، والبيرة ، وسن ابن عطير ، وحملين ، والموزر ، والقرادي وغير ذلك .

وكانت هذه الأعمال مع غيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين ، وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم ، لما هو عليه من الشجاعة والمكر .

وكان أتابك يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع فيها من الفرنج من يمنعها ، فيتعذر عليه ملكها لما هي عليه من الحصانة ، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ لقصد بلادهم . فلما رأوا أنه غير قادر على ترك الملوك الأرتقية وغيرهم من ملوك ديار بكر ، حيث إنه محارب لهم ، اطمأنوا ، وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاد الغربية ، فجاءت عيون أتابك إليه فأخبرته فنادى في العسكر بالرحيل ، وأن لا يتخلف عن الرها أحد من غد يومه ، وجمع الأمراء عنده ، وقال : قدموا الطعام ; وقال : لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن غدا معي على باب [ ص: 132 ] الرها ، فلم يتقدم إليه غير ( أمير ) واحد وصبي لا يعرف ، لما يعلمون من إقدامه وشجاعته ، وأن أحدا لا يقدر على مساواته في الحرب . فقال الأمير لذلك الصبي : ما أنت في هذا المقام ؟ فقال أتابك : دعه ، فوالله إني أرى وجها لا يتخلف عني .

وسار والعساكر معه ، ووصل إلى الرها ، وكان هو أول من حمل على الفرنج ومعه ذلك الصبي ، وحمل فارس من خيالة الفرنج على أتابك عرضا ، فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله ، وسلم الشهيد ، ونازل البلد ، وقاتله ثمانية وعشرين يوما ، فزحف إليه عدة دفعات ، وقدم النقابين فنقبوا سور البلد ، ولج في قتاله خوفا من اجتماع الفرنج والمسير إليه واستنقاذ البلد منه ، فسقطت البدنة التي نقبها النقابون ، [ وأخذ ] البلد عنوة وقهرا ، وحصر قلعته فملكها أيضا ، ونهب الناس الأموال وسبوا الذرية وقتلوا الرجال .

فلما رأى أتابك البلد أعجبه ، ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة ، فأمر فنودي في العساكر برد من أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم ، وإعادة ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم ، فردوا الجميع عن آخره لم يفقد منهم أحد ، إلا الشاذ النادر الذي أخذ ، وفارق ( من أخذه ) العسكر ، فعاد البلد إلى حاله الأول ، وجعل فيه عسكرا يحفظه ، وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ، ما عدا البيرة ، فإنها حصينة منيعة وعلى شاطئ الفرات ، فسار إليها وحصرها ، وكانوا قد أكثروا ميرتها ورجالها ، فبقي على حصارها إلى أن رحل عنها ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

حكي أن بعض العلماء بالأنساب والتواريخ قال : كان صاحب جزيرة صقلية قد [ ص: 133 ] أرسل سرية في البحر إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال ، فنهبوا وقتلوا ; وكان بصقلية إنسان من العلماء المسلمين ، وهو من أهل الصلاح ، وكان صاحب صقلية يكرمه ويحترمه ، ويرجع إلى قوله ، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان ; وكان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب .

ففي بعض الأيام كان جالسا في منظرة له تشرف على البحر ، وإذ قد أقبل مركب لطيف ، وأخبره من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام ، وغنموا وقتلوا وظفروا ; وكان المسلم إلى جانبه وقد أغفى ، فقال له الملك : يا فلان ! أما تسمع ما يقولون ؟ قال : لا ! قال : إنهم يخبرون بكذا وكذا . أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها ؟ فقال له : كان قد غلب عنهم ، وشهد فتح الرها ، وقد فتحها المسلمون الآن ; فضحك منه من هناك من الفرنج ، فقال الملك : لا تضحكوا ، فوالله ما يقول إلا الحق ; فبعد أيام وصلت الأخبار من فرنج الشام بفتحها .

وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى الشهيد في منامه ، فقال له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بفتح الرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث