الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 125 ] الفصل الثالث

في المحكم والمتشابه من القرآن

اعلم أن لا اختلاف في وقوع النوعين فيه ; لقوله سبحانه منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات واختلف في تعريفهما فقيل : المحكم ما له دلالة واضحة ، والمتشابه ما له دلالة غير واضحة ، فيدخل في المتشابه المجمل والمشترك ، وقيل في المحكم : هو متضح المعنى ، وفي المتشابه : هو غير المتضح المعنى ، وهو كالأول ، ويندرج في المتشابه ما تقدم .

والفرق بينهما أنه جعل في التعريف الأول الاتضاح وعدمه للدلالة ، وفي الثاني لنفس المعنى .

وقيل في المحكم : هو ما استقام نظمه للإفادة ، والمتشابه : ما اختل نظمه لعدم الإفادة ، وذلك لاشتماله على ما لا يفيد شيئا ، ولا يفهم منه معنى ، هكذا قال الآمدي ومن تابعه .

واعترض عليه : بأن القول باختلال نظم القرآن مما لا يصدر عن المسلم ، فينبغي أن يقال في حده هو : ما استقام نظمه لا للإفادة بل للابتلاء .

وقيل : المحكم ما عرف المراد منه ، إما بالظهور ، وإما بالتأويل ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه .

وقيل : المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا ، والمتشابه ما احتمل أوجها .

وقيل : المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال .

[ ص: 126 ] وقيل : المحكم الناسخ ، والمتشابه المنسوخ .

وقيل : المحكم هو معقول المعنى ، والمتشابه هو غير معقول المعنى ، وقيل غير ذلك .

وحكم المحكم هو وجوب العمل له ، وأما المتشابه فاختلف فيه على أقوال : الحق عدم جواز العمل به ; لقوله سبحانه : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به والوقف على قوله : إلا الله متعين ، ويكون قوله سبحانه : والراسخون في العلم مبتدأ ، وخبره : يقولون آمنا به ولا يصح القول بأن الوقف على قوله : والراسخون في العلم ; لأن ذلك يستلزم أن يكون جملة : يقولون آمنا به حالية ، ولا معنى لتقييد علمهم به بهذه الحالة الخاصة وهي حال كونهم يقولون هذا القول ، وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسيرنا الذي سميناه فتح القدير . فليرجع إليه ، فإن فيه ما يثلج خاطر المطلع عليه إن شاء الله ، وليس ما ذكرناه من عدم جواز العمل بالمتشابه لعلة كونه لا معنى له ، فإن ذلك غير جائز بل لعلة قصور أفهام البشر عن العلم به ، والاطلاع على مراد الله منه ، كما في الحروف التي في فواتح السور ، فإنه لا شك أن لها معنى لم تبلغ أفهامنا إلى معرفته ; فهي مما استأثر الله بعلمه ، كما أوضحناه في التفسير المذكور ، ولم يصب من تمحل لتفسيرها ، فإن ذلك من التقول على الله بما لم يقل ، ومن تفسير كلام الله سبحانه بمحض الرأي ، وقد ورد الوعيد الشديد عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث