الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        المسألة السادسة : في الاستدلال على أن كل صيغة من تلك الصيغ للعموم

                        وفيه فروع :

                        الفرع الأول : في : من ، وما ، وأين ، ومتى للاستفهام ، فهذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط ، أو للخصوص ، أو لهما على سبيل الاشتراك ، أو لا لواحد منهما ، والكل باطل إلا الأول .

                        أما أنه لا يجوز أن يقال : إنها موضوعة للخصوص فقط ; فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء ; لأن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال ، لكن لا نزاع في حسن ذلك .

                        وأما أنه لا يجوز أن يقال بالاشتراك ; فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة .

                        مثلا إذا قال : من عندك ؟ فلا بد أن تقول : سألتني عن الرجال أو النساء ؟ فإذا قال : عن الرجال ، فلا بد أن تقول : سألتني عن العرب أو عن العجم ؟ فإذا قال : عن العرب ، [ ص: 348 ] فلا بد أن تقول عن ربيعة أو مضر ، وهكذا إلى أن تأتي على جميع الأقسام الممكنة ، وذلك لأن اللفظ إما أن يقال إنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص ، أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة في الخصوص ، والأول باطل ; لأن أحدا لم يقل به ، والثاني يقتضي أن لا يحسن من المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام ; لأن الجواب لا بد أن يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة ، فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال ، وذلك غير جائز ، فثبت أن لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات ، لكنها غير واجبة .

                        أما أولا : فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر ، وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية ، والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال .

                        وأما ثانيا : فإنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات .

                        وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم والخصوص ، فمتفق عليه ، فبطلت هذه الثلاثة ، ولم يبق إلا القسم الأول .

                        الفرع الثاني : في صيغة ( من ، وما ) في المجازاة ، فإنها للعموم ، ويدل عليه أن قول القائل : من دخل داري فأكرمه ، لو كان مشتركا بين العموم والخصوص لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام ، لكنه قد حسن ذلك بدون استفهام ، فدل على عدم الاشتراك ، كما سبق في الفرع الذي قبل هذا .

                        وأيضا لو قال : من دخل داري فأكرمه ، حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء من هذا الكلام ، وحسن ذلك معلوم من عادة أهل اللغة ضرورة ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ، وذلك أنه لا نزاع أن المستثنى من الجنس لا بد أن يصح دخوله تحت المستثنى منه . فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر ، والأول باطل ، وإلا لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ، كقولك : جاءني فقهاء إلا زيدا ، وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقولك : جاءني الفقهاء إلا زيدا ، والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب ، فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ ، وهو المطلوب .

                        [ ص: 349 ] الفرع الثالث : في أن صيغة ( كل ، وجميع ) يفيدان الاستغراق ، ويدل على ذلك أنك إذا قلت : جاءني كل عالم في البلد ، أو جميع علماء البلد ، فإنه يناقضه قولك : ما جاءني كل عالم في البلد ، وما جاءني جميع علماء البلد ، ولذلك يستعمل كل واحد من هذين الكلامين في تكذيب الآخر ، والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق ; لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض ، وأيضا صيغة الكل والجميع مقابلة لصيغة البعض ، ولولا أن صيغتهما غير محتملة للبعض لم تكن مقابلة ، وأيضا إذا قال القائل : ضربت كل من في الدار ، أو : ضربت جميع من في الدار . سبق إلى الفهم الاستغراق ، ولو كانت صيغة الكل أو الجميع مشتركة بين الكل والبعض لما كان كذلك ; لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر ، وأيضا إذا قال السيد لعبده : اضرب كل من دخل داري ، أو : جميع من دخل داري ، فضرب كل واحد ممن دخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه بضرب جميعهم ، وله أن يعترض عليه إذا ترك البعض منهم ، ومثله لو قال رجل لرجل : أعتق كل عبيدي ، أو جميع عبيدي ، ثم مات لم يحصل الامتثال إلا بعتق كل عبد له ، ولا يحصل امتثاله بعتق البعض ، وأيضا لا يشك عارف بلغة العرب ، أن بين قول القائل : جاءني رجال ، وجاءني كل الرجال ، وجميع الرجال ، فرقا ظاهرا ، وهو دلالة الثاني على الاستغراق دون الأول ، وإلا لم يكن بينهما فرق ، ومعلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن الاستغراق جاءوا بلفظ ( كل وجميع ) وما يفيد مفادهما ، ولو لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند إرادتهم للاستغراق عبثا .

                        قال القاضي عبد الوهاب : ليس بعد ( كل ) في كلام العرب كلمة أعم منها ، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها ، أو تابعة . تقول : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، وجاءني القوم كلهم ، فيفيد أن المؤكد به عام ، وهي تشمل العقلاء ، وغيرهم ، والمذكر ، والمؤنث ، والمفرد ، والمثنى ، والمجموع ، فلذلك كانت أقوى صيغ العموم ، وتكون في الجميع بلفظ واحد . تقول : كل النساء ، وكل القوم ، وكل رجل ، وكل امرأة .

                        قال سيبويه : معنى قولهم : كل رجل : كل رجال ، فأقاموا " رجلا " مقام " رجال " لأن رجلا شائع في الجنس ، والرجال للجنس ، ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنه بـ " كل " ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء ، ولا يقال جاء زيد كله . انتهى .

                        [ ص: 350 ] وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين أن يتقدم النفي على ( كل ) وبين أن تتقدم هي عليه ، فإذا تقدمت على حرف النفي نحو ( كل القوم لم يقم ) أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد ، وإن تقدم النفي عليها مثل : لم يقم كل القوم ، لم تدل إلا على نفي المجموع ، وذلك يصدق بانتفاء القيام عن بعضهم ، ويسمى الأول عموم السلب ، والثاني سلب العموم ، من جهة أن الأول يحكم فيه بالسلب عن كل فرد ، والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد ، إنما أفاد نفي الحكم عن بعضهم .

                        قال القرافي : وهذا شيء اختصت به ( كل ) من بين سائر صيغ العموم ، قال : وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان ، وأصلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل ذلك لم يكن لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت . انتهى .

                        وإذا عرفت هذا في معنى ( كل ) فقد تقرر أن لفظ ( جميع ) هو بمعنى ( كل ) الإفرادي ، وهو معنى قولهم : أنها للعموم الإحاطي ، وقيل : يفترقان من جهة كون دلالة ( كل ) على فرد بطريق النصوصية ، بخلاف ( جميع ) .

                        وفرقت الحنفية بينهما بأن ( كل ) تعم الأشياء على سبيل الانفراد و ( جميع ) تعمها على سبيل الاجتماع ، وقد روي أن الزجاج حكى هذا الفرق عن المبرد .

                        الفرع الرابع : لفظ ( أي ) فإنها من جملة صيغ العموم ، إذا كانت شرطية أو استفهامية ، كقوله تعالى أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وقوله أيكم يأتيني بعرشها [ ص: 351 ] وقد ذكرها في صيغ العموم الأستاذ أبو منصور البغدادي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين الجويني وابن الصباغ وسليم الرازي والقاضيان أبو بكر وعبد الوهاب والرازي والآمدي والصفي الهندي وغيرهم ، قالوا : وتصلح للعاقل وغيره .

                        قال القاضي عبد الوهاب في التخليص : إلا أنها تتناول على وجه الإفراد دون الاستغراق ، ولهذا إذا قلت أي الرجلين عندك ؟ لم يجب إلا بذكر واحد ، قال ابن السمعاني في القواطع : وأما كلمة ( أي ) فقيل : كالنكرة ; لأنها تصحبها لفظا ومعنى ، تقول : أي رجل فعل هذا ؟ وأي دار دخل ؟ قال الله تعالى : أيكم يأتيني بعرشها وهي في المعنى نكرة ; لأن المراد بها واحد منهم . انتهى .

                        قال الزركشي في البحر : وحاصل كلامهم أنها للاستغراق البدلي لا الشمولي ، لكن ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق أنها للعموم الشمولي ، وتوسع القرافي فعدى عمومها إلى الموصولة والموصوفة في النداء ، ومنهم من لم يعده كالغزالي وابن القشيري لأجل قول النحاة : إنها بمعنى " بعض " إذا أضيفت إلى معرفة ، وقول الفقهاء : أي وقت دخلت الدار فأنت طالق ، لا يتكرر الطلاق بتكرار الدخول ، كما في " كلما " .

                        والحق أن عدم التكرار لا ينافي العموم ، وكون مدلولها أحد الشيئين قدر مشترك بينهما وبين بقية الصيغ في الاستفهام .

                        وقال صاحب اللباب من الحنفية وأبو زيد في التقويم كلمة ( أي ) نكرة لا تقتضي العموم بنفسها إلا بقرينة ، ألا ترى إلى قوله أيكم يأتيني بعرشها ولم يقل يأتوني ، ولو قال لغيره : أي عبيدي ضربته فهو حر ، فضربهم لم يعتق إلا واحد ، فإن وصفها بصفة عامة كانت للعموم بقوله : أي عبيدي ضربك فهو حر ، فضربوه جميعا . عتقوا لعموم فعل الضرب .

                        وصرح إلكيا الطبري بأنها ليست من صيغ العموم فقال : وأما ( أي ) فهي اسم مفرد يتناول جزءا من الجملة المضافة . قال الله سبحانه وتعالى : أيكم يأتيني بعرشها فجاء به واحد وقال أيكم أحسن عملا وصرح القاضي حسين والشاشي أنه لا فرق بين الصورتين المذكورتين ، وأن العبيد يعتقون جميعا فيهما ، وجزم ابن [ ص: 352 ] الهمام في التحرير بأنها في الشرط ، والاستفهام كـ " كل " مع النكرة ، وكالبعض مع المعرفة ، وهو المناسب لما قرره النحاة فيها ، فإن الفرق بين قول القائل : أي رجل تضرب أضرب ، وبين : أي الرجلين تضرب أضرب - ظاهر لا يخفى .

                        الفرع الخامس : النكرة في النفي ، فإنها تعم ; وذلك لوجهين :

                        الأول : أن الإنسان إذا قال : أكلت اليوم شيئا فمن أراد تكذيبه قال : ما أكلت اليوم شيئا ، فذكرهم هذا النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له ، فلو كان قوله : ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما تناقضا ; لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي .

                        الوجه الثاني : أنها لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا : لا إله إلا الله ، نفيا لجميع الآلهة سوى الله سبحانه وتعالى ، فتقرر بهذا أن النكرة المنفية بما ، أو لن ، أو لم ، أو ليس ، أو لا - مفيدة للعموم ، وسواء دخل حرف النفي على فعل ، نحو : ما رأيت رجلا ، أو على الاسم ، نحو : لا رجل في الدار ، ونحو : ما أحد قائما ، وما قام أحد .

                        وقال القاضي عبد الوهاب في الإفادة : قد فرق أهل اللغة بين النفي في قوله : ما جاءني أحد ، وما جاءني من أحد ، وبين دخوله على النكرة من أسماء الجنس ، في : ما جاءني رجل ، وما جاءني من رجل ، فرأوا تساوي اللفظين في الأول ، وأن " من " زائدة فيه ، وافتراق المعنى في الثاني ; لأن قوله : ما جاءني رجل ، يصلح أن يراد به الكل ، وأن يراد به رجل واحد ، فإذا دخلت ( من ) أخلصت النفي للاستغراق .

                        وقال إمام الحرمين الجويني هي للعموم ظاهرا عند تقدير ( من ) فإن دخلت ( من ) كانت نصا ، والمشهور في علم النحو الخلاف بين سيبويه والمبرد . فسيبويه قال : إن العموم مستفاد من النفي قبل دخول ( من ) والمبرد قال أنه مستفاد من لفظ ( من ) والحق ما قاله سيبويه ، وكون ( من ) تفيد النصوصية بدخولها لا ينافي الظهور الكائن قبل دخولها .

                        قال أبو حيان : مذهب سيبويه أن ما جاءني من أحد ، وما جاءني من رجل ، ( من ) [ ص: 353 ] في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس ، وهذا هو الصحيح . انتهى .

                        ولو لم تكن من صيغ العموم قبل دخول ( من ) لما كان نحو قوله تعالى : لا يعزب عنه مثقال ذرة ، لا تجزي نفس عن نفس شيئا مقتضيا للعموم ، وقد فرق بعضهم بين حروف النفي الداخلة على النكرة بفرق لا طائل تحته ، فلا نطول بذكره .

                        واعلم أن حكم النكرة الواقعة في سياق النهي حكم النكرة الواقعة في سياق النفي ، وما خرج عن ذلك من الصور ، فهو لنقل العرف له عن الوضع اللغوي .

                        الفرع السادس : لفظ ( معشر ، ومعاشر ، وعامة ، وكافة ، وقاطبة ، وسائر ) من صيغ العموم في مثل قوله يا معشر الجن والإنس و نحن معاشر الأنبياء لا نورث و " جاءني القوم عامة " و وقاتلوا المشركين كافة و " ارتدت العرب قاطبة " ، و " جاءني سائر الناس " ، إن كانت مأخوذة من سور البلد ، وهو المحيط بها ، كما قاله الجوهري ، وإن كانت من أسأر بمعنى أبقى ، فلا تعم .

                        وقد حكى الأزهري الاتفاق على أنها مأخوذة من المعنى الثاني وغلطوا الجوهري .

                        وأجيب عن الأزهري : بأنه قد وافق الجوهري على ذلك السيرافي في شرح كتاب [ ص: 354 ] سيبويه وأبو منصور الجواليقي في شرح أدب الكاتب وابن بري وغيرهم ، والظاهر أنها للعموم وإن كانت بمعنى الباقي ; لأن المراد بها شمول ما دخلت عليه ، سواء كانت بمعنى الجميع أو الباقي ، كما نقول : اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين ، وخالف في ذلك القرافي والقاضي عبد الوهاب .

                        الفرع السابع : الألف واللام الحرفية لا الاسمية تفيد العموم إذا دخلت على الجمع ، سواء كان سالما أو مكسرا ، وسواء كان من جموع القلة أو الكثرة ، وكذا إذا دخلت على اسم الجمع ، كركب وصحب وقوم ورهط ، وكذا إذا دخلت على اسم الجنس .

                        وقد اختلف في اقتضائها للعموم إذا دخلت على هذه المذكورات على مذاهب ثلاثة .

                        الأول : أنه إذا كان هناك معهود حملت على العهد ، فإن لم يكن حملت على الاستغراق ، وإليه ذهب جمهور أهل العلم .

                        الثاني : أنها تحمل على الاستغراق ، إلا أن يقوم دليل على العهد .

                        الثالث : أنها تحمل عند فقد العهد على الجنس من غير استغراق ، وحكاه صاحب الميزان ، عن أبي علي الفارسي ، وأبي هاشم .

                        والراجح المذهب الأول ، وقال ابن الصباغ : هو إجماع الصحابة .

                        قال في المحصول مستدلا على هذا المذهب : لنا وجوه :

                        الأول : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة من قريش ، والأنصار سلموا تلك الحجة ، ولو لم يدل الجمع [ ص: 355 ] المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة ; لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة من قريش لو كان معناه بعض الأئمة من قريش لوجب أن لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين .

                        قال : الوجه الثاني : أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق فوجب أن يفيد في أصله الاستغراق . أما أنه يؤكد فكقوله فسجد الملائكة كلهم أجمعون وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق فبالإجماع .

                        الوجه الثالث : الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار بهم معرفة ، كما نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بالصرف إلى الكل ; لأنه معلوم للمخاطب ، فأما الصرف إلى ما دونه فإنه لا يفيد المعرفة ; لأن بعض المجموع ليس أولى من بعض فكان مجهولا .

                        قال : الوجه الرابع : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه ( ذلك ) .

                        وذلك يفيد العموم على ما تقدم ، وممن حكى إجماع الصحابة على إفادة هذا التعريف للعموم ابن الهمام في التحرير ، وحكى أيضا إجماع أهل اللغة على صحة الاستثناء . قال الزركشي في البحر : وظاهر كلام الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق لعموم فائدته ، ولدلالة اللفظ عليه ، ونقله ابن القشيري عن المعظم ، وصاحب الميزان عن أبي بكر السراج النحوي ، فقال : إذا تعارض جهة العهد والجنس يصرف إلى الجنس ، وهذا هو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع ، قالا : لأن الجنس يدخل تحت العهد ، والعهد لا يدخل تحته الجنس .

                        وروي عن إمام الحرمين الجويني أنه مجمل ; لأن عمومه ليس من صيغته بل من قرينة نفي المعهود ، فتعين الجنس ; لأنه لا يخرج عنها ، وهو قول ابن القشيري .

                        قال إلكيا الهراس : إنه الصحيح ; لأن الألف واللام للتعريف ، وليست إحدى جهتي التعريف بأولى من الثانية فيكتسب اللفظ جهة الإجمال ; لاستوائه بالنسبة إليهما . انتهى .

                        [ ص: 356 ] والكلام في هذا البحث يطول جدا ، فقد تكلم فيه أهل الأصول ، وأهل النحو ، وأهل البيان ، بما هو معروف ، وليس المراد هنا إلا بيان ما هو الحق ، وتعيين الراجح من المرجوح ، ومن أمعن النظر وجود التأمل علم أن الحق الحمل على الاستغراق ، إلا أن يوجد هناك ما يقتضي العهد ، وهو ظاهر في تعريف الجنس .

                        وأما تعريف الجمع مطلقا واسم الجمع فكذلك أيضا ; لأن التعريف يهدم الجمعية ، ويصيرها للجنس ، وهذا يدفع ما قيل من أن استغراق المفرد أشمل .

                        الفرع الثامن : تعريف الإضافة ، وهو من مقتضيات العموم كالألف واللام ، من غير فرق بين كون المضاف جمعا ، نحو : عبيد زيد ، أو اسم جمع ، نحو : جاءني ركب المدينة ، أو اسم جنس ، نحو وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ومنعت العراق درهمها ودينارها ، ومنعت الشام قفيزها وصاعها ، وقد صرح الرازي بأن المفرد المضاف يعم ، مع اختياره بأن المعرف بالألف واللام لا يعم .

                        قال الصفي الهندي في النهاية : وكون المفرد المضاف للعموم ، وإن لم يكن منصوصا لهم ، لكن نفيه التسوية بين الإضافة ولام التعريف يقتضي العموم ، والحق أن عموم الإضافة أقوى ، ولهذا لو حلف لا يشرب الماء حنث بشرب القليل منه ; لعدم تناهي أفراده ، ولو حلف لا يشرب ماء البحر لا يحنث إلا بكله . انتهى .

                        وفي هذا الفرق نظر ، ولا ينافي إفادة إضافة اسم الجنس للعموم ما وقع من الخلاف فيمن قال : زوجتي طالق ، وله أربع زوجات فإن من قال : إنها لا تطلق إلا واحدة ، استدل بأن العرف قد خص هذه الصورة وأمثالها عن الموضوع اللغوي ، على أنه قد حكى الروياني في البحر عن ابن عباس وأحمد بن حنبل أنها تطلق الأربع جميعا ، بخلاف ما عدا هذه الصورة وأمثالها فإنه يحمل على العموم ، كما لو قال : مالي صدقة ، ومن هذا قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم هو الطهور ماؤه والحل ميتته .

                        [ ص: 357 ] الفرع التاسع : الأسماء الموصولة ، كالذي ، والتي ، والذين ، واللاتي ، وذو الطائية ، وجمعها ، وقد صرح القرافي والقاضي عبد الوهاب بأنها من صيغ العموم ، وقال ابن السمعاني : جميع الأسماء المبهمة تقتضي العموم .

                        وقال أصحاب الأشعري إنها تجري في بابها مجرى اسم منكور ، كقولنا : رجل ، ويمكن أن يكون زيدا أو عمرا ، فلا يصار إلى أحدهما إلا بدليل ، والإبهام لا يقتضي الاستغراق ، بل يحتاج إلى قرينة ، والحق أنها من صيغ العموم ، كقوله سبحانه : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وما خرج من ذلك فلقرينة تخصصه عن موضوعه اللغوي .

                        الفرع العاشر : نفي المساواة بين الشيئين ، كقوله لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فذهب جمهور الشافعية ، وطوائف من الأصوليين والفقهاء إلى أنه يقتضي العموم .

                        وذهبت الحنفية والمعتزلة والغزالي والرازي إلى أنه ليس بعام .

                        استدل الأولون : بأنه نكرة في سياق النفي ; لأن الجملة نكرة باتفاق النحاة ، وكذلك توصف بها النكرات دون المعارف .

                        واستدل الرازي في المحصول للآخرين بوجهين :

                        الأول : أن نفي الاستواء مطلقا أي في الجملة أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه ، أو من بعضها ، والدال على القدر المشترك بين الأمرين لا إشعار فيه بهما فلا يلزم من نفيه نفيهما .

                        الثاني : أنه إما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه ، أو لا بد فيه من الاستواء من كل الوجوه ، والأول باطل ، وإلا لوجب إطلاق لفظ المساواة على جميع الأشياء ; لأن كل شيئين لا بد أن يستويا في بعض الأمور من كونهما [ ص: 358 ] معلومين ، وموجودين ، ومذكورين ، وفي سلب ما عداهما عنهما ، ومتى صدق عليه المساوي وجب أن يكذب عليه غير المساوي ; لأنهما في العرف كالمتناقضين ، فإن من قال : هذا يساوي ذاك ، فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه ، والمتناقضان لا يصدقان معا ، فوجب أن لا يصدقا على شيئين ألبتة ; لأنهما متساويان ، وغير متساويين ، ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه يعتبر في المساواة المساواة من كل الوجوه ، وحينئذ يكفي في نفي المساواة الاستواء من بعض الوجوه ; لأن نقيض الكلي هو الجزئي ، فإذا قلنا لا يستويان لا يفيد نفي الاستواء من جميع الوجوه .

                        وأجيب عن الدليل الأول : بأن عدم إشعار الأعم بالأخص إنما هو في طريق الإثبات ، لا في طريق النفي ، فإن الأعم يستلزم نفي الأخص ، ولولا ذلك لجاز مثله في كل نفي ، فلا يعلم نفي أبدا إذ يقال في ( لا رجل ) رجل أعم من الرجل بصيغة العموم ، فلا يشعر به ، وهو خلاف ما ثبت بالدليل .

                        وأجيب عن الدليل الثاني : بأنه إذا قيل لا مساواة فإنما يراد نفي مساواة يصح انتفاؤها ، وإن كان ظاهرا في العموم ، وهو من قبيل ما يخصصه العقل نحو الله خالق كل شيء أي خالق كل شيء يخلق .

                        والحاصل أن مرجع الخلاف إلى أن المساواة في الإثبات هل مدلولها لغة المشاركة في كل الوجوه ، حتى يكون اللفظ شاملا ، أو مدلولها المساواة في بعض الوجوه ، حتى يصدق بأي وجه ؟ فإن قلنا بالأول لم يكن النفي للعموم ; لأن نقيض الكلي الموجب جزئي سالب ، وإن قلنا بالثاني كان للعموم ; لأن نقيض الجزئي الموجب كلي سالب .

                        وخلاصة هذا أن صيغة ( لا يستوي ) إما لعموم سلب التسوية أو لسلب عموم التسوية ، فعلى الأول يمتنع ثبوت شيء من أفرادها ، وعلى الثاني لا يمتنع ثبوت البعض ، وهذا يقتضي ترجيح المذهب الثاني ; لأن حرف النفي سابق ، وهو يفيد سلب العموم لا عموم السلب ، وأما الآية التي وقع المثال بها فقد صرح فيها بما يدل على أن النفي باعتبار بعض الأمور ، وذلك قوله تعالى أصحاب الجنة هم الفائزون فإن ذلك يفيد أنهما لا يستويان في الفوز بالجنة .

                        وقد رجح الصفي الهندي بأن نفي الاستواء من باب المجمل من المتواطئ لا من باب العام ، وتقدمه إلى ترجيح الإجمال إلكيا الطبري .

                        [ ص: 359 ] الفرع الحادي عشر : إذا وقع الفعل في سياق النفي أو الشرط ، فإن كان غير متعد ، فهل يكون النفي له نفيا لمصدره وهو نكرة فيقتضي العموم أم لا ؟ حكى القرافي عن الشافعية ، والمالكية أنه يعم ، وقال إن القاضي عبد الوهاب في الإفادة نص على ذلك ، وإن كان متعديا ، ولم يصرح بمفعوله نحو لا أكلت ، وإن أكلت ، ولا كان له دلالة على مفعول معين ، فذهبت الشافعية ، والمالكية ، وأبو يوسف ، وغيرهم إلى أنه يعم ، وقال أبو حنيفة : لا يعم ، واختاره القرطبي من المالكية ، والرازي من الشافعية ، وجعله القرطبي من باب الأفعال اللازمة نحو يعطي ويمنع ، فلا يدل على مفعول لا بالخصوص ولا بالعموم . قال الأصفهاني : لا فرق بين المتعدي واللازم ، والخلاف فيهما على السواء .

                        وظاهر كلام إمام الحرمين الجويني ، والغزالي ، والآمدي ، والصفي الهندي أن الخلاف إنما هو في الفعل المتعدي إذا وقع في سياق النفي أو الشرط ، هل يعم مفاعيله أم لا ، لا في الفعل اللازم فإنه لا يعم .

                        والذي ينبغي التعويل عليه أنه لا فرق بينهما في نفس مصدريهما ، فيكون النفي لهما نفيا لهما ، ولا فرق بينهما وبين وقوع النكرة في سياق النفي ، وأما فيما عدا المصدر فالفعل المتعدي لا بد له من مفعول به فحذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني .

                        وذكر القرطبي أن القائلين بتعميمه قالوا : لا يدل على جميع ما يمكن أن يكون مفعولا على جهة الجمع بل على جهة البدل قال : وهؤلاء أخذوا الماهية مقيدة ، ولا ينبغي لأبي حنيفة أن ينازع في ذلك .

                        الفرع الثاني عشر : الأمر للجمع بصيغة الجمع ، كقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة عمومه وخصوصه يكون باعتبار ما يرجع إليه والدليل على ذلك أن السيد إذا أشار إلى جماعة من غلمانه ، وقال : قوموا ، فمن تخلف عن القيام منهم استحق الذم ، وذلك يدل على أن اللفظ للشمول ، فلا يجوز أن يضاف ذلك إلى القرينة .

                        قال في المحصول : لأن تلك القرينة إن كانت من لوازم هذه الصيغة فقد حصل مرادنا ، وإلا فلنفرض هذه الصيغة مجردة عنها ، ويعود الكلام . انتهى .

                        [ ص: 360 ] وممن صرح أن عموم صيغة الجمع في الأمر ، وخصوصها يكون باعتبار مرجعها الإمام الرازي في المحصول ، والصفي الهندي في النهاية ، وذكر القاضي عبد الجبار عن الشيخ أبي عبد الله البصري أن قول القائل : افعلوا ، يحمل على الاستغراق ، وقال أبو الحسين البصري : الأولى أن يصرف إلى المخاطبين ، سواء كانوا ثلاثة أو أكثر ، وأطلق سليم الرازي في التقريب أن المطلقات لا عموم فيها .

                        فائدة :

                        قال إمام الحرمين الجويني ، وابن القشيري : أن أعلى صيغ العموم أسماء الشرط ، والنكرة في النفي ، وادعيا القطع بوضع ذلك للعموم .

                        وصرح الرازي في المحصول أن أعلاها أسماء الشرط ، والاستفهام ، ثم النكرة المنفية لدلالتها بالقرينة ، لا بالوضع .

                        وعكس الصفي الهندي فقدم النكرة المنفية على الكل .

                        وقال ابن السمعاني : أبين وجوه العموم ألفاظ الجموع ، ثم اسم الجنس المعرف باللام ، وظاهره أن الإضافة دون ذلك في الرتبة .

                        وعكس الإمام الرازي في تفسيره فقال : الإضافة أدل على العموم من الألف ، واللام ، والنكرة المنفية أدل على العموم منها إذا كانت في سياق النفي ، والتي بـ " من " أدل من المجردة عنها .

                        قال أبو علي الفارسي : إن مجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة .

                        وقال إلكيا الطبري في التلويح : ألفاظ العموم أربعة :

                        أحدها : عام بصيغته ومعناه ، كالرجال والنساء .

                        والثاني : عام بمعناه لا بصيغته ، كالرهط ونحوه من أسماء الأجناس ، قال : وهذا لا خلاف فيه .

                        والثالث : ألفاظ مبهمة نحو ما ، ومن ، وهذا يعم كل أحد .

                        والرابع : النكرة في سياق النفي ، نحو لم أر رجلا ، وذلك يعم لضرورة صحة الكلام وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام إلا أنه لا يتناول الجميع بصيغته .

                        فالعموم فيه من القرينة ; فلهذا لم يختلفوا فيه ، وقد قدمنا في الفرع الثالث ما يفيد أن لفظ ( كل ) أقوى صيغ العموم .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية