الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        [ ص: 325 ] الفصل التاسع : في كون الأمر بالأمر بالشيء أمرا به أو لا

                        اختلفوا هل الأمر بالأمر بالشيء أو بذلك الشيء أم لا ؟ ؟ فذهب الجمهور إلى الثاني وذهب جماعة إلى الأول .

                        احتج الأولون : بأنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمرا بذلك الشيء ، لكان قول القائل لسيد العبد : مر عبدك عبدك ببيع ثوبي ، تعديا على صاحب العبد بالتصرف في عبده بغير إذنه ، ولكان قول صاحب الثوب بعد ذلك للعبد : لا تبعه ، مناقضا لقوله للسيد : مر مر عبدك عبدك ببيع ثوبي ، لورود الأمر والنهي على فعل واحد .

                        وقال السبكي إن لزوم التعدي ممنوع ; لأن التعدي هو أمر عبد الغير بغير أمر سيده ، وهنا أمره بأمر سيده ، فإن أمره للعبد متوقف على أمر سيده ، وليس بشيء لأن النزاع في أن قوله : مر عبدك عبدك ، إلخ ، هل هو أمر للعبد ببيع الثوب أم لا ، لا في أن السيد إذا أمر عبده بموجب مر عبدك عبدك ، هل يتحقق عند ذلك أمر للعبد من قبل قبل القائل : مر عبدك يجعل السيد سفيرا ، أو وكيلا ، أم لا ؟ ؟

                        وأما استدلالهم بما ذكروه من المناقضة ، فقد أجيب عنه : بأنه المراد هنا منعه من البيع بعد طلبه منه ، وهو نسخ لطلبه منه .

                        واحتج الآخرون بأوامر الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمرنا ، فإنا مأمورون بتلك الأوامر ، وكذلك أمر الملك لوزيره بأن يأمر فلانا بكذا ، فإن الملك هو الآمر لذلك المأمور لا الوزير .

                        وأجيب : بأنه فهم ذلك في الصورتين من قرينة أن المأمور أولا هو رسول ومبلغ ومبلغ عن الله ، وأن الوزير هو مبلغ مبلغ عن الملك ، لا من لفظ الأمر المتعلق بالمأمور الأول ، ومحل النزاع هو هذا .

                        أما لو قال : قل لفلان افعل كذا ، فالأول آمر ، والثاني مبلغ بلا نزاع ، كذا نقل نقل عن السبكي وابن الحاجب .

                        [ ص: 326 ] واختار السعد التسوية بينهما ، والأول أولى أولى ، قال في المحصول فلو قال زيد لعمرو : كل ما أوجب عليك زيد ، فهو واجب عليك ، فالأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء في هذه الصورة ، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله : كل ما أوجب عليك فلانا ، فهو واجب ، أما لو لم يقل ذلك ، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع ، فإن ذلك لا يقتضي الوجوب على الصبي . انتهى . وهذا الحديث ثابت في السنن .

                        ومما يصلح مثالا لمحل النزاع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم لعمر وقد طلق طلق ابنه ابنه عبد الله امرأته ، وهي حائض : مره مره فليراجعها .

                        وقيل : إنه ليس بما يصلح مثالا لهذه المسألة ; لأنه قد صرح فيه بالأمر من الشارع بالمراجعة ، حيث قال : فليراجعها ، بلام الأمر ، وإنما يكون مثالا لو قال : مره بأن يراجعها ، والظاهر أنه من باب قل لفلان افعل كذا ، وقد تقدم الخلاف فيه .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية