الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 186 ] [ ص: 187 ] في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها

فاعلموا رحمكم الله أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه :

أحدها : أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها ، لم يقع فيها استثناء ألبتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ، ولا شيء من هذه المعاني .

فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات; لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنه لا يوجد ، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد .

والثاني : أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي ، إذا تكررت في مواضيع كثيرة ، وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص ، مع تكررها وإعادة تقررها ، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم; كقوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . . . . ) [ ص: 188 ] وما أشبه ذلك ، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك .

فما نحن بصدده من هذا القبيل ، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة : أن كل بدعة ضلالة ، وأن كل محدثة بدعة . . . . وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها; فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها .

والثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك ، وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية ، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت ، فدل على أن كل بدعة ليست بحق ، بل هي من الباطل .

والرابع : أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه ، لأنه من باب مضادة الشارع واطراح الشرع ، وكل ما كان بهذه المثابة ، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح ، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم ، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع ، وقد تقدم بسط هذا في أول الباب الثاني .

وأيضا; فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم ، لم يتصور; لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة; من غير أن تكون كذلك .

[ ص: 189 ] وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها ، إذ لو قال الشارع : المحدثة الفلانية حسنة; لصارت مشروعة; كما أشاروا إليه في الاستحسان حسبما يأتي إن شاء الله .

ولما ثبت ذمها ، ثبت ذم صاحبها; لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط ، بل من حيث اتصف بها المتصف ، فهو إذا المذموم على الحقيقة ، والذم خاص التأثيم ، فالمبتدع مذموم آثم ، وذلك على الإطلاق والعموم .

ويدل على ذلك أربعة أوجه :

أحدهما : أن الأدلة المذكورة; إن جاءت فيهم نصا; فظاهر ، كقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ، وقوله : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى آخر الآية ، وقوله عليه السلام : فليذادن رجال عن حوضي . . . . الحديث ، إلى سائر ما نص فيه عليهم ، وإن كانت نصا في البدعة; فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير إشكال ، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم ، رجع الجميع إلى تأثيمهم .

والثاني : أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع ، وهو المقصود السابق في حقهم ، ودليل الشرع كالتبع في حقهم ، ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم ، ويتبعون كل شبهة وافقت [ ص: 190 ] أغراضهم .

ألا ترى إلى قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ، فأثبت لهم الزيغ أولا ، وهو الميل عن الصواب ، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى ، الذي هو أم الكتاب ومعظمه . ومتشابهه على هذا قليل ، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا; ابتغاء تأويله ، وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله ، أو يعلمه الله والراسخون في العلم ، وليس إلا برده إلى المحكم ولم يفعل المبتدعة ذلك ، فانظروا كيف اتبعوا أهواءهم أولا في مطالبة الشرع بشهادة الله .

وقال الله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم ) الآية ، فنسب إليهم التفريق ، ولو كان التفريق من مقتضى الدليل; لم ينسبه إليهم ، ولا أتى به فيمعرض الذم ، وليس ذلك إلا باتباع الهوى .

وقال تعالى : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ، فجعل طريق الحق واضحا مستقيما ، ونهى عن البنيات ، والواضح من الطرق والبنيات; كل ذلك معلوم بالعوائد الجارية ، فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البنيات في الشرع ، فواضح أيضا ، فمن ترك الواضح واتبع غيره ، فهو متبع لهواه لا للشرع .

وقال تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) [ ص: 191 ] فهذا دليل على مجيء البيان الشافي ، وأن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين لا من جهة الدليل ، فهو إذا من تلقاء أنفسهم ، وهو اتباع الهوى بعينه .

والأدلة على هذا كثيرة ، تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه ، وإذا اتبع هواه كان مذموما وآثما ، والأدلة عليه أيضا كثيرة :

كقوله ( : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) .

وقوله : ) ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) .

وقوله : ) ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) .

وما أشبه ذلك ، فإذا كل مبتدع مذموم آثم .

والثالث : أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح [ العقلي ] ، فهو عمدتهم الأولى ، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع ، فهو المقدم في نحلهم ، بحيث لا يتهمون العقل ، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر ، حتى يردوا كثيرا من الأدلة الشرعية .

وقد علمت أيها الناظر أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا ، ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهبا ، ويرجعون عنه غدا ، ثم يصيرون بعد غد [ ص: 192 ] إلى رأي ثالث ، ولو كان كل ما يقضي به حقا; لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم ، ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة ، ولكان على هذا الأصل تعد الرسالة عبثا لا معنى له ، وهو كله باطل ، فما أدى إليه مثله .

فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع ، ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي إشارة القرآن : أهل الأهواء ، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم ، واشتهاره فيهم ، لأن التسمية بالمشتق إنما يطلق إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على المسمى بها .

فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر; لأن مرجعه إلى اتباع الرأي ، وهو اتباع الهوى المذكور آنفا .

والرابع : أن كل راسخ لا يبتدع أبدا ، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه ، حسبما دل عليه الحديث ، ويأتي تقريره بحول الله ، فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء .

وإذا كان كذلك ، فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد ، فهو على أصل العمومية ، ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط ، كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهالات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به ، فإذا أقدم على محرم عليه; كان آثما بإطلاق .

وبهذه الأوجه الأخيرة; ظهر وجه تأثيمه ، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد المخطئ في اجتهاده ، وسيأتي له تقرير أبسط من هذا إن شاء الله .

[ ص: 193 ] وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم ، ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة إن ثبت فيها كراهة التنزيه ، لأنه إما مستنبط لها ، فاستنباطه على الترتيب المذكور غير جائز ، وإما نائب عن صاحبها ، مناضل عنه فيها بما قدر عليه ، وذلك يجري مجرى المستنبط الأول لها ، فهو آثم على كل تقدير .

لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى; بحيث يتنزل دليل الشرع على مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به ، إذ يقع الغلط أو التساهل ، فيسمى من ليس بمبتدع مبتدعا ، وبالعكس إن تصور ، فلا بد من فضل اعتناء بهذا المطلب حتى يتضح بحول الله ، وبالله التوفيق .

ولنفرده في فصل ، فنقول :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث