الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

67 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : رب مبلغ أوعى من سامع .

التالي السابق


الكلام فيه على وجوه ; الأول : التقدير هذا باب في بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم " رب مبلغ أوعى من سامع " ، والباب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده .

الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في هذا الباب حال المبلغ - بفتح اللام ، ومن جملة المذكور في الباب السابق الجالس في الحلقة ، وهو أيضا من جملة المبلغين ; لأن حلقة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على العلوم والأمر بتعلمها والتبليغ إلى الغائبين . وقال الشيخ قطب الدين : أراد البخاري بهذا التبويب الاستدلال على جواز الحمل على من ليس بفقيه من الشيوخ الذين لا علم عندهم ولا فقه إذا ضبط ما يحدث به . قلت : هذا بيان وجه وضع هذا الباب ، وليس فيه تعرض إلى وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله ، ولم أر أحدا من الشراح [ ص: 35 ] تعرض لهذا الذي ذكرناه .

الثالث : قال الكرماني : وهذا الحديث رواه معلقا ، وهو إما بمعنى الحديث الذي ذكره بعده بالإسناد فهو من باب نقل الحديث بالمعنى ، وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر . وقال الشيخ قطب الدين : وقد جاءت لفظة الترجمة في الترمذي من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمع ، فرب مبلغ أوعى من سامع - قال الترمذي : حديث حسن صحيح . قلت : كل منهما قد أبعد وتعسف ، والذي ينبغي أن يقال هو أن هذا حديث معلق ، أورد البخاري معناه في هذا الباب ، وأما لفظه فهو موصول عنده في باب الخطبة بمنى من كتاب الحج - أخرجه من طريق قرة بن خالد عن محمد بن سيرين قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن - كلاهما عن أبي بكرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، قال : أتدرون أي يوم هذا ؟ وفي آخره هذا اللفظ ، وقد أخرج الترمذي في جامعه وابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه - قال الترمذي : حسن . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين .

قوله " نضر " بالتشديد أكثر من التخفيف ; أي حسن ، ويقال نضر الله وجهه ونضر بالضم والكسر - حكاهما الجوهري . قلت : وجاء نضر بالفتح أيضا ، حكاه أبو عبيد ، والمصدر نضارة ونضرة أيضا ، وهو الحسن والرونق . فإن قلت : كيف قال الترمذي لحديث ابن مسعود وهو حديث حسن صحيح وقد تكلم الناس في سماع عبد الرحمن عن أبيه فقالوا كان صغيرا ، وقال يحيى بن معين : عبد الرحمن وأبو عبيدة ابنا عبد الله بن مسعود لم يسمعا من أبيهما . وقال أحمد : مات عبد الله ولعبد الرحمن ابنه ست سنين أو نحوها ؟ قلت : كأنه لم يعبأ بما قيل في عدم سماع عبد الرحمن من أبيه لصغره ، وقال الشيخ قطب الدين : لم يخرج البخاري لأبي عبيدة شيئا ، وأخرج هو ومسلم لعبد الرحمن عن مسروق ، فلما كان الحديث ليس من شرطه جعله في الترجمة . قلت : هذا بناء على تعسفه فيما ذكرناه ، والذي جعله في الترجمة قد ذكره في كتاب الحج على ما ذكرنا .

الرابع : قوله " رب " هو للتقليل ، لكنه كثر في الاستعمال للتكثير بحيث غلب حتى صارت كأنها حقيقة فيه ، وهي حرف خلافا للكوفيين في دعوى اسميته ، وقالوا : قد أخبر عنه الشاعر في قوله :


ورب قتل عار

وأجيب بأن " عار " خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة صفة للمجرور أو خبر للمجرور ; إذ هو في موضع مبتدأ ، وينفرد " رب " بوجوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إن كان ظاهرا وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميرا ، وغلبة حذف معداها ومضيه ووجوب كون فعلها ماضيا لفظا أو معنى . وقال الكرماني : وفيها لغات عشر - ثم عدها ، قلت : فيها ست عشرة لغة ; ضم الراء وفتحها ، وكلاهما مع التشديد والتخفيف ، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث الساكنة أو المتحركة أو مع التجرد منها - فهذه اثنتا عشرة ، والضم والفتح مع إسكان الباء وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف .

قوله " مبلغ " بفتح اللام ; أي مبلغ إليه ، فحذف الجار والمجرور ، كما يقال المشترك ويراد به المشترك فيه .

قوله " أوعى " أفعل التفضيل من الوعي ، وهو الحفظ .

فإن قلت : كيف إعراب هذا الكلام ؟ قلت : إعرابه على مذهب الكوفيين أن " رب مبلغ " كلام إضافي مبتدأ ، وقوله " أوعى من سامع " خبره ، والمعنى : رب مبلغ إليه عني أفهم وأضبط لما أقول من سامع مني ، ولا بد من هذا القيد لأن المقصود ذلك ، وقد صرح بذلك ابن منده في روايته من طريق هودة عن ابن عون ، ولفظه : فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد .

وأما على مذهب البصريين فإن قوله " مبلغ " وإن كان مجرورا بالإضافة ولكنه مرفوع على الابتداء محلا ، وقوله " أوعى " صفة له ، والخبر محذوف تقديره يكون أو يوجد أو نحوهما . وقال النحاة في نحو رب رجل صالح عندي محل مجرورها رفع على الابتدائة ، وفي نحو رب رجل لقيته نصب على المفعولية ، وفي نحو رب رجل صالح لقيته رفع أو نصب كما في قولك هذا لقيته .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث