الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الطهارة أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي وأخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم قال أخبرنا عبد الوهاب بن علي وعبد الرحمن بن أحمد العمري ، والمبارك بن المعطوش قالوا أخبرنا هبة الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم البزاز قال أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني ومحمد بن ربح البزاز قالا : حدثنا زيد بن هارون حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص يقول : سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه

[ ص: 2 ]

التالي السابق


[ ص: 2 ] كتاب الطهارة أخبرنا محمد بن إبراهيم الميدومي قال أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم قال أخبرنا عبد الوهاب بن علي وعبد الرحمن بن أحمد العمري ، والمبارك بن المعطوش قالوا أخبرنا هبة الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم البزاز قال أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني ومحمد بن ربح البزاز قالا حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله ومن كانت [ ص: 3 ] هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه

فيه فوائد :

(الأولى) حديث عمر أخرجه الأئمة الستة فأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير وابن ماجه عن أبي بكر بن شيبة كلاهما عن يزيد بن هارون فوقع بدلا لهما عاليا بدرجتين واتفق عليه الشيخان من رواية مالك وحماد بن زيد وابن عيينة وعبد الوهاب الثقفي وأخرجه البخاري وأبو داود من رواية الثوري ومسلم من طريق الليث وابن المبارك وأبي خلد الأحمر وحفص بن غياث ، والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي ، والنسائي من طريق مالك وحماد بن زيد وابن المبارك وأبي خلد الأحمر . وابن ماجه أيضا من رواية الليث عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري أورده البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في بدء الوحي ، والإيمان ، والنكاح ، والهجرة وترك الحيل ، والعتق ، والنذور ، ومسلم في الجهاد . وأبو داود في الطلاق ، والترمذي في الجهاد ، والنسائي في الإيمان . وابن ماجه في الزهد .

(الثانية) هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عمر ولا عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري قال أبو بكر البزار في مسنده : لا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد . وقال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أنه لم يصح مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عمر . وقال الترمذي بعد تخريجه : هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد . وقال حمزة بن محمد الكناني : لا أعلم رواه غير عمر ولا عن عمر غير علقمة ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد . وقال محمد بن عتاب : لم يروه غير عمر ولا عن عمر غير علقمة إلى آخره .

(الثالثة) ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فردا هو المشهور ، وقد روي من [ ص: 4 ] طرق أخرى رأيت ذكرها للفائدة فوقفت عليه مسندا من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ، وأنس وعلي . فحديث أبي سعيد رواه الخطابي في معالم السنن والدارقطني في غرائب مالك وابن عساكر في غرائب مالك من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ، وهو غلط من ابن أبي داود .

وقول الخطابي : إنه يقال : إن الغلط إنما جاء من قبل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي داود فليس بجيد من قائله ، فإنه لم ينفرد به نوح عنه بل رواه غيره عنه ، وإنما الذي تفرد به ابن أبي داود كما قال الدارقطني وغيره (وحديث) أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه ، وهو وهم أيضا .

(وحديث) أنس رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أنس بن مالك وقال هذا حديث غريب جدا ، والمحفوظ حديث عمر انتهى . والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقي من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاري قال حدثني بعض أهل بيتي عن أنس فذكر حديثا فيه أنه لا عمل لمن لا نية له الحديث . (وحديث) علي رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف . وأما من تابع علقمة عليه فذكر أبو أحمد الحاكم أن موسى بن عقبة رواه عن نافع وعلقمة . وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه فقد رواه الحاكم في تاريخ نيسابور من رواية عبد ربه بن سعيد عن محمد بن إبراهيم أورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد وقال : إنه غلط فيه قال ، وإنما هو عن يحيى بن سعيد لا عبد ربه بن سعيد .

وذكر الدارقطني أنه رواه الحجاج بن أرطاة عن محمد بن إبراهيم ، وأنه رواه سهل بن صقير عن الدراوردي وابن عيينة ، وأنس بن عياض عن محمد بن عمرو بن علقمة عن محمد بن إبراهيم ووهم سهل على هؤلاء الثلاثة ، وإنما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم عن يحيى بن سعيد .

ورأيت في كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة لعبد الرحمن بن منده أنه رواه سبعة عشر من الصحابة غير عمر ، وأنه رواه عن عمر غير علقمة وعن علقمة غير التيمي وعن التميمي غير يحيى بن سعيد . وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج المزي سئل [ ص: 5 ] عن كلام ابن منده هذا فاستبعده ، وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الباب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية لا هذا الحديث بعينه . كحديث يبعثون على نياتهم وحديث ليس له من غزاته إلا ما نوى ونحو ذلك .

وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول : وفي الباب عن فلان وفلان فكثيرا ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يسنده في أول الباب ولكن بشرط كونها تصلح أن تورد في ذلك الباب ، وهو عمل صحيح إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعين والله أعلم .

(الرابعة) أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر وبعضهم اسم الشهرة وليس كذلك ، وإنما هو فرد ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار أو التواتر في آخر السند من عند يحيى بن سعيد . قال النووي : هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله قال : وليس متواترا لفقد شرط التواتر في أوله رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة قلت روينا عن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر المديني أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل .

(الخامسة) في إسناد هذا الحديث لطيفة حديثية ، وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض علقمة ، والتيمي ويحيى ، وهو كثير وأكثر ما اجتمع التابعون في حديث واحد ستة أنفس أفرده الخطيب بالتصنيف في جزء له ، وهو حديث أبي أيوب في فضل قراءة قل هو الله أحد .

(السادسة) هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل فيه : إنه ثلث العلم وقيل ربعه وقيل خمسه وقال الشافعي وأحمد إنه ثلث العلم . قال البيهقي : لأن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد الأقسام ، وهي أرجحها ؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها ولذلك كانت نية المؤمن خيرا من عمله وهكذا أوله البيهقي . وكلام الإمام أحمد يشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر ، فإنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث الأعمال بالنية وحديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث النعمان بن بشير الحلال بين ، والحرام بين .

وقال أبو داود اجتهدت في [ ص: 6 ] المسند ، فإذا هو أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت ، فإذا مدارها على أربعة أحاديث : الحلال بين ، والأعمال بالنية وحديث أبي هريرة إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وحديثه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . هكذا روى ابن الأعرابي عنه وروى ابن داسة عنه نحوه إلا أنه أبدل حديث إن الله طيب بحديث لا يكون المرء مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه .

وجعل بعضهم مكان هذا الحديث الذي تردد كلام أبي داود فيه حديث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وروي عن أبي داود أيضا الفقه يدور على خمسة أحاديث الحلال بين ، والأعمال بالنيات ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، ولا ضرر ولا ضرار .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث