الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع

ابتداء كلام مبتدأ . ويكون الوقف على قوله : " في التوراة " والتشبيه في قوله : [ ص: 208 ] " كزرع " خبره ، وهو المثل . وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيرا إلى نحو قوله في إنجيل متى ( الإصحاح 13 فقرة 3 ) : ( هو ذا الزارع قد خرج ليزرع [ يعني عيسى عليه السلام ] وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته ) إلى أن قال : ( وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين ) . قال فقرة : ( ثم قال وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم ، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مائة وبعض ستين وآخر ثلاثين ) .

وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر المؤمنون كما تنبت الحبة مائة سنبلة وكما تنبت من النواة الشجرة العظيمة .

وفي قوله : " أخرج شطأه " استعارة الإخراج إلى تفرع الفراخ من الحبة لمشابهة التفرع بالخروج ومشابهة الأصل المتفرع عنه بالذي يخرج شيئا من مكان .

والشطء بهمزة في آخره وسكون الطاء : فراخ الزرع وفروع الحبة . ويقال : أشطأ الزرع ، إذا أخرج فروعا .

وقرأه الجمهور بسكون الطاء وبالهمز . وقرأه ابن كثير ( شطأه ) بفتح الطاء بعدها ألف على تخفيف الهمزة ألفا .

و " آزره " قواه ، وهو من المؤازرة بالهمز وهي المعاونة وهو مشتق من اسم الإزار لأنه يشد ظهر المتزر به ويعينه شده على العمل والحمل كذا قيل . والأظهر عندي عكس ذلك وهو أن يكون الإزار مشتقا اسمه من : آزر ، لأن الاشتقاق من الأسماء الجامدة نادر لا يصار إلى دعائه إلا إذا تعين . وصيغة المفاعلة في " آزره " مستعارة لقوة الفعل مثل قولهم : عافاك الله ، وقوله تعالى وبارك فيها .

والضمير المرفوع في " آزره " للشطء ، والضمير المنصوب للزرع ، أي قوى الشطء أصله .

[ ص: 209 ] وقرأ الجمهور : " فآزره " . وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر " فأزره " بدون ألف بعد الهمزة ، والمعنى واحد .

ومعنى " استغلظ " غلظ غلظا شديدا في نوعه ، فالسين والتاء للمبالغة مثل : استجاب .

والضميران المرفوعان في " استغلظ " و " استوى " عائدان إلى الزرع .

والسوق : جمع ساق على غير قياس لأن ساقا ليس بوصف وهو اسم على زنة فعل بفتحتين .

وقراءة الجميع : " على سوقه " بالواو بعد الضمة . وقال ابن عطية : قرأ ابن كثير : ( سؤقه ) بالهمزة أي همزة ساكنة بعد السين المضمومة وهي لغة ضعيفة يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر :


لحب المؤقدان إلي مؤسى



وتنسب لقنبل عن ابن كثير ولم يذكرها المفسرون ولم يذكرها في حرز الأماني وذكرها النوري في كتاب غيث النفع وكلامه غير واضح في صحة نسبة هذه القراءة إلى قنبل .

وساق الزرع والشجرة : الأصل الذي تخرج فيه السنبل والأغصان .

ومعنى هذا التمثيل تشبيه حال بدء المسلمين ونمائهم حتى كثروا وذلك يتضمن تشبيه بدء دين الإسلام ضعيفا وتقويه يوما فيوما حتى استحكم أمره وتغلب على أعدائه .

وهذا التمثيل قابل لاعتبار تجزئة التشبيه في أجزائه بأن يشبه محمد صلى الله عليه وسلم بالزارع [ ص: 210 ] كما مثل عيسى غلب الإسلام في الإنجيل ، ويشبه المؤمنون بحبات الزرع التي يبذرها في الأرض مثل : أبي بكر وخديجة وعلي وبلال وعمار ، والشطء : من أيدوا المسلمين فإن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا إلى الله وحده وانضم إليه نفر قليل ثم قواه الله بمن ضامن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع .

وقوله يعجب الزراع تحسين للمشبه به ليفيد تحسين المشبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث