الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1660 [ ص: 80 ] [ ص: 81 ] 46 - كتاب القدر [ ص: 82 ] [ ص: 83 ] بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

( 1 ) باب النهي عن القول بالقدر

1661 - مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " تحاج آدم وموسى ، فحج آدم موسى قال له موسى : أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء ، واصطفاه على الناس برسالته ؟ قال : نعم قال : أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ؟ " .

التالي السابق


38770 - قال أبو عمر : إلى هنا انتهى حديث مالك ، ورواه ابن عيينة ، عن أبي الزناد بإسناده ، وزاد فيه : قبل أن أخلق بأربعين سنة .

38771 - وكذلك قال طاوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث .

38772 - وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة من طرق شتى منها حديث [ ص: 84 ] محمد بن عمر ، ويحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

38773 - ورواه ابن شهاب ، فاختلف عليه فيه فمن أصحابه من جعل فيه عنه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

38774 - ومنهم من رواه عنه عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .

38775 - ومنهم من يرويه عنه عن سعيد بن المسيب ، ورواه معمر ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وكلهم رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

38776 - وقد روي من حديث عمر بن الخطاب ، وهو حسن صحيح الألفاظ والسياقة ، ورواه ابن وهب قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن موسى عليه السلام قال : يا رب أرني أبانا آدم الذي أخرجنا من الجنة ، فأراه الله آدم ، فقال له : أنت آدم ؟ قال : نعم . قال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه ، وعلمك الأسماء كلها ، وأمر ملائكته فسجدوا لك ؟ قال : نعم . قال : فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ قال له آدم : من أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب ، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه ؟ قال : نعم . قال : فما وجدت في كتاب الله الذي أنزل عليك ، أن ذلك في [ ص: 85 ] كتاب الله قبل أن أخلق ؟ قال : نعم . قال : أفتلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل ؟ قال عند ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فحج آدم موسى " .

38777 - قال أبو عمر : هذا الحديث عند جماعة أهل العلم بالحديث صحيح من جهة الإسناد ، وكلهم يرويه ويقر بصحته ، ويحتج به أهل الحديث والفقه ، وهم أهل السنة في إثبات قدم علم الله ( عز وجل ذكره ) .

38778 - وسواء منهم من قال : خبر الواحد يوجب دون العلم ، ومن قال : العمل والعلم كلهم يحتج به فيما ذكرنا لأنه خبر جاء مجيئا متواترا ، فاشيا .

38779 - وأما أهل البدع ، فينكرونه ويدفعونه ، ويعترضون فيه بدروب من القول ، كرهت ذكر ذلك لأن كتابنا هذا كتاب سنة واتباع ، لا كتاب جدال وابتداع .

38780 - وفي هذا الحديث دليل على أن الله - عز وجل - قد سبق في علمه ما يكون ، وأنه في كتاب مسطور ، جرى القلم فيه بما يكون إلى آخر الأبد ، وأن العباد لا يعملون إلا فيما قد علمه الله - عز وجل - وقضى به ، وقدره .

38781 - وقد روينا أن سلمان الفارسي سئل عن الإيمان بالقدر ؟ فقال : إذا علم الرجل من قبل نفسه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، فذلك الإيمان بالقدر .

[ ص: 86 ] 38782 - فروى حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة ، أن أصحاب علي ( رضي الله عنه ) قالوا : إن هذا الرجل في حرب ، وإلى جنب عدو وإنا لا نأمن أن يغتال ، فليحرسه منا كل ليلة عشرة ، وكان علي إذا صلى العشاء ، لصق بقبلة المسجد ، فيصلي ما شاء الله - عز وجل - أن يصلي ، ثم ينصرف إلى أهله ، فصلى ذات ليلة ، ثم انصرف فرآهم ، فقال : ما أجلسكم هنا هذه الساعة ، فقالوا : أجلسنا نتحدث ، فقال : لتخبرني . فأخبروه : فقال : أمن أهل الأرض تحرسوني أم من أهل السماء ؟ فقالوا : نحن أهون على الله - عز وجل - من أن نحرسك من أهل السماء ، ولكن نحرسك من أهل الأرض . قال : فلا تفعلوا ، فإنه إذا قضي الأمر من السماء ، علمه أهل الأرض ، وإن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .

38783 - وروينا أن الناس لما خاضوا في القدر بالبصرة ، اجتمع مسلم بن يسار ، ورفيع أبو العالية ، فقال أحدهما لصاحبه : تعال ننظر فيما خاض الناس فيه من هذا الأمر ، فقعدا ، ونظرا ، فاتفق رأيهما أنه يكفي المؤمن من هذا الأمر أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له ، وأنه مجزي بعمله .

38784 - وروينا عن روح بن عبادة ، عن حبيب بن الشهيد ، عن محمد بن سيرين قال : ما ينكر هؤلاء أن يكون الله - عز وجل - علم علما ، فجعله كتابا .

[ ص: 87 ] 38785 - أخبرنا خلف بن قاسم قال : أخبرنا الحسن بن رشيق قال : حدثني محمد بن يحيى الفارسي قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : انحدر علينا الشافعي يوما من درجته ، وقوم يتجادلون في القدر ، فقال لهم : إما أن تقوموا عنا ، وإما أن تجاورونا بخير ، ثم قال : لأن يلق الله - عز وجل - العبد بكل ذنب ما خلا الشرك ، خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء .

38786 - قال : وسمعت الربيع يقول : قال الشافعي : قال الله - عز وجل - في كتابه العزيز : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " [ الإنسان : 30 ] فأعلم الله - عز وجل - خلقه أن المشيئة له دون خلقه ، وأن لا مشيئة لهم إلا أن يشاء الله عز وجل .

38787 - قال الربيع : قال لي الشافعي : لا تصل خلف القدري ، وإني أكره الصلاة خلفه .

38788 - وحدثني عبد الوارث قال : حدثني قاسم بن أصبغ قال : حدثني أحمد بن زهير قال : حدثني سليمان بن أبي شيخ قال : حدثني عيينة بن المنهال قال : قال بلال بن أبي بردة لمحمد بن واسع : ما تقول في القضاء والقدر ؟ قال : أيها الأمير ، إن الله تبارك وتعالى لا يسأل عباده يوم القيامة عن قضائه وقدره ، وإنما يسألهم عن أعمالهم .

38789 - وروينا أن عمر بن عبد العزيز ، كتب إلى الحسن البصري : إن الله لا يطالب خلقه بما قضى عليهم ، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه وأمرهم به ، فطالب [ ص: 88 ] نفسك من حيث يطالبك ربك .

38790 - وأما قوله في الحديث عن آدم - عليه السلام - : " أفتلومني على أمر قد قدر علي " ، فهو خصوص لآدم - عليه السلام - لأن ذلك إنما كان منه ومن موسى عليهما السلام ، بعد أن ثبت على آدم ، وبعد أن تلقى من ربه كلمات ، فتاب عليه من ذنبه في أكل الشجرة .

38791 - وقد أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحد أن يجعله حجة إذا أتى ما نهاه الله عنه ، وحرمه عليه ، أن يحتج بمثل هذا فيقول : أتلومني على أن قتلت ، وقد سبق في علم الله أن أقتل ، وتلومني في أن أسرق ، أو أزني ، أو أظلم ، أو أجور ، وقد سبق ذلك علي في علم الله تعالى وقدره .

38792 - وهذا ما لا يسوغ لأحد أن يجعله حجة لنفسه .

38793 - والأمة مجتمعة على أنه جائز لوم من أتى ما يلام عليه من معاصي ، وذمه على ذلك ، كما أنهم مجمعون على حمد من أطاع ربه ، وأتى من الأمور المحمودة ما يحمد عليه .

38794 - وقد روى ابن وهب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : إنما كان ذلك من آدم لموسى بعد أن تيب على آدم .

38795 - قال أبو عمر : التقاء آدم وموسى يمكن أن يكون كما قال ابن وهب يمكن أن يريه الله إياه وهو حي ، ويمكن أن يكونا التقت أرواحهما ، وعلم ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يعلم به خبر السماء في غير ذلك .

[ ص: 89 ] 38796 - وهذا ومثله مما لا يطاق فيه التكييف ، وإنما فيه التصديق والتسليم وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث