الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا غنى لمسلم عن التوسط في كل الأوقات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لا غنى لمسلم عن التوسط في كل الأوقات

هذه القاعدة أخذتها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله، الآتي قريبا، وهي نص في أن المسلم مفتقر إلى التوسط في شأنه كله، وفي أوقاته كلها، ذلك أن الوسطية يرتد معناها كما ذكر غير واحد من المفسرين وشراح الحديث إلى الصراط المستقيم والعدل؛ قال تعالى في أول سورة افتتح بها كتابه الكريم:

( اهدنا الصراط المستقيم ) ثم بينه بأنه ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) (الفاتحة:6-7) ،

وقد وردت لفظتا «الصراط المستقيم» في عشرات الآيات [1] ، غير أن دلالتها في هذا الموضع بالذات غير خافية.

فالمسلم يسأل ربه الهداية للصراط المستقيم، كل يوم في ما لا يقل عن سبع عشرة ركعة، وهي عدد ركعات الصلوات المفروضة في اليوم والليلة؛ يسأله الاستقامة على المنهج السوي الذي لا اعوجاج فيه، المنهج الذي سار عليه كل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد جاء مفسرا في الحديث الذي ( رواه جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا [ ص: 31 ] هذه الآية: ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ) (الأنعام:153) [2] . فالصراط المستقيم هو «الخط الأوسط»، وهذا هو وجه الاستدلال بالآية، وعبر أحد المفسرين عن هذا المعنى بقوله: «الطريق السوي الواقع وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب، فإذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين، فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية، ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة أن تكون الأمة المهدية إليه وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة» [3] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله، في رسالة تحقيق التوكل: «فصل: وإن ما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر في الصلوات بل الركعات، فرضها ونفلها، هو الدعاء الذي تضمنته أم القرآن وهو قوله تعالى:

( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) (الفاتحة:6-7) ؛ لأن كل عبد فهو مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المسـتقيم، فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلا به، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين... والمقصـود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائما إلى حصـول هذه الهداية.. فإن الصراط المستقيم أن تفعل [ ص: 32 ] في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ولا تفعل ما نهيت عنه، وهذا يحتاج إليه في كل وقت، إلى أن يعلم ما أمر به في ذلك الوقت وما نهي عنه وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور، وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد بل في كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهدي به في ذلك الوقت. نعم حصل له هدى مجمل، فإن القرآن حق ودين الإسلام حق والرسول ونحو ذلك، ولكن الهدى المجمل لا يعينه إن لم يحصـل له هدى مفصـل في كل ما يأتيه ويدبره من الجزئيات التي يحار في كثير منها أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى أكثر الخلق لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس..» [4] .

وقال الإمام ابن القيم ، رحمه الله، بعد أن شرح معنى ( المغضوب عليهم ) بأنهم اليهود و ( الضالين ) بأنهم النصارى: «فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه، وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس؛ لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته، وهذا يحصل له بفوته شقاوة

الا بد، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، إنه قريب مجيب» [5] . [ ص: 33 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث