الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحمل على الوسط مقصود للشارع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الحمل على الوسط مقصود للشارع

هذه قاعدة مقاصدية جليلة القدر، وأدلتها من الكثرة بحيث يقطع معها بأن التوسط وما يقتضيه من سلوك سبيل الاقتصاد والاعتدال في أغلب أمور الدين والدنيا مقصود للشارع، فقد قرر الإمام الشاطبي هذه القاعدة وجعلها خاتمة حديثه عن النوع الثالث من مقاصد الشارع وهو -قصد وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها- فقـال في ختام مباحث المشقة والتيسير: «الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة وغير ذلك...» [1] .

كما قرر بفكره الثاقب المستوعب أنك «إذا نظرت في كلية شرعية فتأملتها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف فذلك في مقابلة واقـع أو متوقع في الطرف الآخر... فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه..» [2] ، ويستفاد من هذا أن: الكليات الشرعية حاملة على التوسط، وأن ملازمة الوسط لها هو الأصل؛ وأن تلك هي الصفة الغالبة عليها. [ ص: 34 ] وقال في موضع آخر: «الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الذي كان عليه السلف الصالح» [3] .

وقد أكد هذا المعنى الشيخ ابن عاشور ، حين عد السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها ثم فسرها بأنها: «سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط..واستقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين» [4] .

يقول شيخ الإسـلام ابن تيمية ، رحمه الله: «قد خص الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين.. كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها، وأكرمها على الله من جميع الأجناس.. هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله، وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام.

فأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شـيئا من الطيبات كما حرم على اليهود ، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى . [ ص: 35 ] ولم يضـيق عليهم باب الطهارة والنجاسـة كما ضيق على اليهود ، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى ، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة، بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات، حتى يقال في فضائل الراهب: «له أربعون سنة ما مس الماء»! ولهذا تركوا الختان، مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه.

واليهـود إذا حاضـت المـرأة عندهم لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض، وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله، أو تحرم الصلاة معه.

وكذلك المسـلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسـوخ، كما فعلت اليهود. ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله، كما فعلت النصارى.. ولا غلوا في الأنبياء والصـالحين كغلو النصارى، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود.. ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا

بخصائص المخلوق، ونقائصه، ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود، ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه، التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى.. ولم يسـتكبروا عن عبادته كفعل اليهود، ولا أشـركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى.

وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل، فهم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل [ ص: 36 ] ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال، وتنـزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنـزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى:

( ليس كمثله شيء ) (الشورى:11) رد على الممثلة؛ ( وهو السميع البصير ) (الشـورى:11) رد على المعطلة.. وقال تعالى: ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) (الإخلاص:1-4) . فالصمد: السيد المستوجب لصفات الكمال، والأحد: الذي ليس له كفو ولا مثال.

وهم وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين للقدر، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه.. وفي باب الوعد والوعيد، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار.. وهم وسـط في أصـحاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بإلهية أو نبوة أو عصـمة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه، وهم خيار هذه الأمة» [5] .

وهذه النصوص من هؤلاء الأعلام بما تضمنته من المعاني مغنية عن إيراد مزيد من الأدلة على كون التوسط مرادا للشارع الكريم، وقد أكثر المعاصرون من جلب الأدلة فيما كتبوا عن الاعتدال ونبذ الغلو، فأغنى ذلك عن التطويل في شرح هذه القاعدة، وفيما يأتي من المباحث زيادة توضيح وتقرير. [ ص: 37 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث