الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السنة بين الغالي والجافي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

السنة بين الغالي والجافي

هذه القاعدة كسابقتها، وهي فرع عنها، إذ الدين شامل للأحكام التي وردت في الكتاب وللأحكام التي جاءت بها السنة، وهي في حقيقتها كلمة تتردد على أفواه العلماء، وأكثر ما نجدها عند مقابلتهم بين السنة والبدعة، باعتبار السنة عنيت بالتفصيل والبيان بما لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه، فهي وإن كان ظاهر صياغتها يختلف عن المعهود في القواعد، إلا أن معناها كذلك، فكأنهم قالوا: الزم السنة أو عليك بالسنة دائما فإنها بين الجفاء والغلو. ومن المواضع التي ترددت فيها: ما روي من وجوه فيها لين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» [1] .

قال ابن قيم الجوزية ، رحمه الله: «والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصـاد هو التوسـط بين طرفي الإفراط والتفريط. وله طـرفان هما ضدان له: تقصير ومجاوزة.. بل الإسـلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع؛ ودين الله بين الغـالي فيه والجـافي عنه. وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافـقة الأمر، والغـلو مجاوزته وتعـديه. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجـاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير. وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم؛ وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد [ ص: 40 ] التحذير، وخوفوا من بلي بأحدهما بالهلاك. وقد يجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه. والمهدي من هداه الله» [2] .

ويشرح كيد الشيطان للإنسان في موضع آخر بقريب من هذا المعنى فيقول: «فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة، فثبطه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة، وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسـول له: إن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تـزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطـروا، وأن لا تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير دونه، وأن لا يقربه، ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يقربه ولا يدنو منه، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه. وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط، والله المستعان» [3] . [ ص: 41 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث