الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

خير الأمور أوسطها

هذه القاعدة بلفظها حديث للنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: ( خير الأمور أوسطها ) [1] ، وهو وإن كان ضعيفا إلا أن معناه صحيح، وأدلته لا تحصى قرآنا وسنة، وقد تقدم بعضها، ويأتي مزيد منها في محله من هذا السفر.

ومن شـواهـد هذا المعـنى: ما روى عبد الرزاق في مصـنفه " أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، بعث سفيان بن عبد الله ساعيا، فرآه بعد أيام في المسجد فقال له: أما ترضى أن تكون كالغازي في سبيل الله؟ قال: وكيف لي بذلك وهم يزعمون أنا نظلمهم! قال: يقولون ماذا؟ قال: يقولون: أتحسب علينا السخلة؟ فقال عمر: أحسبها ولو جاء بها الراعي يحملها على كفه، وقل لهم: إنا ندع الأكولة والربى والماخض والفحل. " قال: وأخبرني عبد الله بن كثير عن عاصم نحوا من هذا عن عمر، إلا أنه " قال: خذ ما بين الثنية إلى الجذعة قال: ذلك عدل بين رذلها وخيارها. " والأكولة: الشـاة العاقر السـمينة، والربى: التي يربي الراعي [2] .

وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن أيوب قال: " مر ابن عمر برجل يكيل كيلا كأنه يعتدي فيه، فقال له: ويحك، ما هذا؟ فقال له: أمر الله بالوفاء، قال ابن عمر: ونهى عن العدوان " [3] . [ ص: 42 ] " وعن أبي قلابة : أن رجلا قال لأبي الدرداء : إن إخـوانك من أهل الكوفة من أهل الذكر يقرئونك السـلام، فقال: وعليهم السـلام، ومرهم فليعطوا القـرآن خزائمه فإنه يحملهم على القصـد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة " [4] .. ولبعضهم، ولقد أجاد:


عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا

وللآخر:

حب التناهي غلط     خير الأمور الوسط

«.. ومن ثم كان أفضل شئون الإنسان مراعاة الوسط، بين الخشونة والنعومة، والرقيق الشفاف من الثياب، والصفيق الخشن منها، فخير الأمور أوسطها.. فيكون بين طرفي الإفراط والتفريط.. ودليل هذا، يعني اختيار حالة التوسط، أكثر من أن تذكر، والقرآن مملوء من ذلك في شؤون شتى، مثل:

( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) (الإسراء:110) ،

( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) (الإسراء:29) ،

( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) (الفرقان: 67) ،

( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) (لقمان: 19) ، والقصد ما بين الإسراف والتقتير.

وقد روى الطبراني بسـند رجاله رجال الصحيح " عن أبي يعفور قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما ، يسأله رجل: ما ألبس من الثياب؟ قال: [ ص: 43 ] ما لا يزدريك فيه السفهاء ويعيبك به الحكماء. قال: ما هو؟ قال: بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما " [5] . وقال الإمام ابن الجوزي ، فقيه الوسطية [6] ، رحمه الله، تحت فصل: أصلح الأمور الاعتدال: «اعلم أن أصلح الأمور الاعتدال في كل شيء، وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم وفسدت في الخير أعمالهم أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة، فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت وأحاديث الآخرة تقرأ عليه وتجري على لسانه فتذكره الموت زيادة على ذلك لا تفيد إلا انقطاعه بالمرة، بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى الكثير الذكر للآخرة أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت ليمتد نفس أمله قليلا فيصنف ويعمل أعمال خير ويقدر على طلب ولد، فأما إذا لهج بذكر الموت كانت مفسدته عليه أكثر من مصلحته، ألم تسمع أن النبي ( سابق عائشة، رضي الله عنها، فسبقته، وسابقها فسبقها، وكان يمزح ويشاغل نفسه؟ فإن مطالعة الحقائق على التحقيق تفسد البدن وتزعج النفس.

وقد روي عن أحمد بن حنبل «أنه سـأل الله تعالى أن يفتح عليه باب الخوف ففتح عليه فخاف على عقله فسـأل الله أن يرد ذلك عنه»، فتأمل هذا الأصل فإنه لا بد من مغالطة النفس وفي ذلك صلاحها» [7] . [ ص: 44 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث