الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يعرف التوسط بالشرع وبالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يعرف التوسط بالشرع وبالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء

هذه القاعدة تنصيص على الطرق التي يعرف بها التوسط، وهي بذلك بيان لمسالك العلماء في الاهتداء إلى مواضع الاعتدال من جهة، ومن جهة ثانية ففيها تحديد وضبط لوسائل إدراك التوسط مما يعني أن الوسطية ليست شعارا أو مذهبا فضفاضا، والأخذ بالوسطية ليس فيه إحالة على عماية، وقد رأينا في هذا العصر من ينتحل هذه الصفة بينما هو لا يرى وجوب الاحتكام إلى نصوص الشرع وقواعده أصلا، فهو وسط ولكن بالنظر إلى معايير أخرى من تزيين الشيطان ووضعه، نعوذ بالله من الخذلان.

- إدراك الوسطية بالشرع:

وهذا هو الأصل في هذا الباب، فالشـرع هو الذي شهد لهذه الأمة بأنها أمة الوسـط ومن ثم كانت الشـريعة وسطا في كلياتها وجزئياتها، وهو ما أوجب الأخذ بالتوسط في شئون الحياة كلها، حتى في استعمال المياه ولو كنت على نهر جار. والآي والأحاديث الآنفة الذكر في باب الأدلة كلها ترشد إلى أن الوسط هو مقتضى الخطاب بها فلا حاجة إلى إعادته، وفي الباب التطبيقي نماذج أخرى من هذا القبيل.

- إدراك الوسطية بالعرف:

الطريق الثاني من طرق إدراك التوسـط هو العرف، وما اعتاده الناس في حياتهم من أقوال وأعمال، واسـتقامت أمورهم به، واتفقوا عليه، وساروا عليه في مجاري حياتهم.. والمقصـود بالعرف عند علماء الأصـول: [ ص: 57 ] هو ما يتعارفه الناس ويجري بينهم من وسائل التعبير وأسـاليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال ويعتادونه من شئون المعاملات، مما ليس في نفيه ولا في إثباته دليل شرعي [1] .

أما ما تعارفه الناس إذا كان هو بعينه حكما شرعيا، وقد نص عليه الشارع وبينه إيجابا أو تحريما سواء أوجده الشرع ابتداء أو كان متعارفا بين الناس فدعا إليه وأكده، فهذا لا خلاف بين الفقهاء في وجوب العمل به. ومن ثمة فإنه في هذه الحالة ليس مقصودا في قولنا إدراك التوسط به، لأنه حينئذ يرتد إلى الشرع، وقد تقدم آنفا.

- إدراك الوسطية بالعقل:

«الفهم الوسـطي» للنص الشـرعي ينطوي على معنى أن الألفاظ غير معتبرة بإطلاق حتى تنضم إليها «المعاني»، إذ المطلوب التفقه في المعبر عنه لا في العبارة من حيث هي، وهذا من أبين الأدلة وأوضحها على أن العقل السليم مدرك للوسطية ومحدد لها.

وإذا كان علماء الإسلام قد خاضوا قديما في مسألة علاقة العقل بالنقل وأيهما يقدم عند التعارض، حتى ألف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية موسوعته الشهيرة «درء تعارض العقل والنقل» فإن الشاطبي ، رحمه الله، قد حدد لنا ضابطا مهما فيما يتعلق بمسألتنا هذه، وذلك حينما قرر أن كل معنى لا يستقيم مع الأصول الشرعية والقواعد العقلية لا يعتمد عليه [2] ، [ ص: 58 ]

فجعل قواعد العقل ومبادئه حكما في تأسيس المعاني الكلية للشريعة، وقد تقرر بالدليل القاطع أن الوسطية داخلة في ذلك، بل هي أم هذه الكليات.

وتطبيقا لهذا المعنى الذي يجعل للعقل دورا فاعلا في تحديد أصول الشريعة بألا تصـادم القواعد العقلية -وهو فرع عن إدراكها- فإن من شغله مال مثلا وداهمه التفكير في أثناء الصـلاة، قال بعض العلماء: يتصدق به أو يهبه [3] ، قال الشـاطبي : إن هذا لا يصلح أن يكون أصلا شرعيا؛ لأنه مناقض للشـرع والعقل معا، فمناقضته للشـرع تأتي من الحرج الذي فيه، إذ الشـرع مبني على رفع الحرج، وأي حرج أعظم من خروج المرء عن كل ما يملك لسبب يمكن تلافيه بوجه آخر أيسر، كأن يصرف الإنسان نفسه عن الاشتغال بغير العبادة حال قيامه بها.

وأما مناقضته للعقل: فهي أنه لو وجب أن يخرج المرء عن كل ما يشغله أثناء العبادة، فإنه ما يلبث الناس أن يخرجوا عن أولادهم وأزواجهم وأمتعتهم وعن كل ما يملكون في هذه الدنيا، فتداهمهم الهموم من جوع ومرض وفاقة، وتشغلهم بدورها عن العبادات، بل تعجزهم عن القيام بها [4] .

وإذا علمنا أن الحكم بالتوسط يحتاج إلى إدراك النسب بين الأطراف المتقابلة، كما يحتاج إلى تقدير وضبط المصلحة عند الاختلاف خشية الانحراف إلى تخفيفات هي من الهوى أو مفضية إليه، أمكننا أن نقرر مطمئنين: أن ذلك لا يتأتى إلا بوساطة «العقل». [ ص: 59 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث