الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما كان من المذاهب وسطا كان أخلق بالاتباع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ما كان من المذاهب وسطا كان أخلق بالاتباع

معنى هذه القاعـدة: أن ما كان من الآراء الخلافية جاريا على التوسط هو الأولى بالاعتبار والتقديم في الفتوى والعمل، ذلك أن اتجـاهات الفقهاء لا تخرج عن: اتجاه التشديد والاحتياط؛ اتجاه التخفيف والرخص؛ واتجاه التوسط بينهما.

والاتجاه الأخير هو الأولى بالمراعاة والتقديم عند النظر، لما مر من الأدلة على أن الشريعة المباركة نازعة بتكاليفها إلى حمل الناس على الوسط، وقد رأيت الإمام الشاطبي انفرد بالنص على هذا المعنى، فلله دره كم فتق من المعاني، وذلك قوله: «إذا ثبت أن الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الذي كان عليه السلف الصالح، فلينظر المقلد أي مذهب كان أجرى على هذا الطريق فهو أخلق بالاتباع وأولى بالاعتبار، وإن كانت المذاهب كلها طرقا إلى الله، ولكن الترجيح فيها لا بد منه، لأنه أبعد من اتباع الهوى -كما تقدم-، وأقرب إلى تحري قصد الشارع في مسائل الاجتهاد، فقد قالوا في مذهب داود لما وقف مع الظاهر مطلقا: إنه بدعة حدثت بعد المائتين، وقالوا في مذهب أصحاب الرأي: لا يكاد المغرق في القياس إلا يفارق السنة، فإن كان ثم رأي بين هذين فهو الأولى بالاتباع» [1] . [ ص: 77 ] ويظهر مما ذكره القاضي ابن العربي وهو يناقش ما يحل وما يحرم من المطعومات التي لم ترد بها النصوص، أن اختيار التوسط معقل يلجأ إليه الفقهاء عند تعارض الأدلة، قـال، رحمه الله: « وقوله: ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) (الأنعام: 145) فإن عولنا عليها فالكل سواها مباح، وإن رأينا إلحـاق غيرها بها حسـبما يترتب في الأدلة، كما ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) [2] ، ثم جاءت الزيادة عليها حتى انتهت أسباب إباحة الدم عند المالكية إلى عشـرة أسـباب، فالحال في ذلك مترددة، ولأجله اختار المتوسطون من علمائنا الكراهية في الحرمات، وتوسطا بين الحل والحرمة لتعارض الأدلة، وإشكال مأخذ الفتوى فيها» [3] .

وقد تأيد هذا المنهج الفقهي عندي بعد أن وقفت لابن عابدين (خاتمة المحققين) وهو يناقش بعض علماء عصره في فتوى صدرت منه حول الرد بالغبن الفاحش، وبعد أن أورد النقول فيها والخلاف في المذهب بين الروايات، مال إلى الجمع والتوفيق بينها، ثم علل ذلك بأنه جار على الوسط؛ وخلاصة المسألة: أن للحنفية في ثبوت الرد بالغبن الفاحش روايات ثلاث:

الأولى: المنع من ذلك وهو ظاهر الرواية، والثانية: الجواز رفقا بالناس، والثالثة: يثبت الرد إن وقع تغرير من البائع للمشتري أو بالعكس، وإلا فلا. [ ص: 78 ] يقول ابن عابدين في توجيه هذا القول الثالث: «.. وهذا التوفيق ظاهر ووجهه ظاهر، إذ الرد مطـلقا ليس أرفق بالناس، بل خلاف الأرفق؛ لأنه يؤدي إلى كثرة المخاصمة والمنازعة في كثير من البيوع، إذ لم يزل أصـحاب التجـارة يربحون في بيوعهم الربـح الوافر، ويجـوز بيع القليل بالكثير وعكسـه، والقول بعدم الرد مطلقا خلاف الأرفق أيضا.

وأما القول بالتفصيل فهو القول الوسط القاطع للشغب والشطط، وخير الأمور أوساطها، لا تفريطها ولا إفراطها؛ لأن من اشترى القليل بالكثير مع خداع البائع والتغرير يكون بدعوى الرد معذورا، وبائعه آثما ومأزورا» [4] .

- الوسطية مهيع للانتصاف في المواقف المتباينة:

وقـال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن أورد قولـه تعالـى: ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) (البقـرة:113) ، فأخـبر أن كل واحدة من الأمتين تجحـد كل ما عليه الأخرى: «وأنت تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصـوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا، ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن المتمسـك بهما منقطع عن الله وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله! وإنما الصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل» [5] . [ ص: 79 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث