الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تتبع الرخص بإطلاق موقع في الانحلال

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تتبع الرخص بإطلاق موقع في الانحلال

هذه القاعدة ضابط آخر من ضوابط التيسير والتخفيف، فمن مستلزمات التوسط في أهلية الإفتاء ألا يقع المفتي تحت ضغط الواقع وتأثيره، سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان، فينساق وراء دنياه رغبة أو رهبة، فتغدو مهمته تسويغ الأحكام والبحث عن المخارج والحيل، كما حكى الباجي ، رحمه الله، عن بعض أهل زمانه: «أنه كان يقول: إن الذي علي لصديقي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضـر، قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخـرى. قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز» [1] .

ولأجل المنع من هذا التلاعب بالدين والإفتاء بالتشهي التزم كثير من الفقهاء الإفتاء بالراجح وإلا فالمشهور، كما يذكر عن المازري أنه بلغ رتبة الاجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور وعاش ثلاثا وثمانين سنة، وينقل عنه قوله: «لست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه، لأن الورع قد قل والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتيا، ولو فتح لهم باب مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب وهو من المفسدات التي لا خفاء بها». [ ص: 82 ] ونص القرافي على أن «الحاكم إذا كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم ويفتي إلا بالراجـح عنده، وإن كان مقـلدا جاز له أن يفتى بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده، مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعا» [2] .

وروي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك -يعني في النبيذ المختلف فيه- فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه من ذلك الرجل بشدة صحت عنه، فاحتجوا فما جاءوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود ، وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه، قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق! عد أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشدة، كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى. فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما، كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة. أفلأحـد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطـاء وطـاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكـرمة ؟ قالوا: كانوا خيارا. قال فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ فقالوا: حرام. فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالا فماتوا وهم يأكلون الحرام! فبقوا وانقطعت حجتهم [3] . [ ص: 83 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث