الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تجاور الأضداد جائز ما لم يلغ بعضها عضا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تجاور الأضداد جائز ما لم يلغ بعضها عضا

هذا الضابط من محددات وخصائص الوسطية، إذ يقرر جواز تجاور المعاني المتقابلة واجتماع الأضداد في الشيء الواحد، لكن على نحو لا يلغي بعضها الآخر ولا يدفعه، وذلك بأن يحتفط لكل معنى بمسافة فاصلة وحدود مرسومة لا يتجاوزها إلى خارج ما حد له، وذلك كأن يجمع المرء في أخلاقه بين الشدة واللين، وبين السخاء والبخل، وبين الشجاعة والجبن.. إلخ.

ويشرح لنا الدكتور عبد الحميد إبراهيم التجاورية في الوسطية بقوله:

«إن الوسطية العربية لم تلغ الشيئين، بل احتفظت بهما متجاورين، وحفظت لكل شيء خصائصه، إنها لا تبحث عن شيء تستنتجه من خلال الأضداد، بل هي تعيش في موقف تتجاور فيه الأضداد، وتتعاقب على النفس البشرية كما يتعاقب الليل والنهار.إنها تعترف بالقوة والضعف، وبالمثالية والمادية، وبالجبن والتهور. وكل جهد الإنسان أن يضبط الحركة بين الشيئين ويحفظ توازنهما، فالشجاعة توازن بين الجبن والتهور، والمادية والمثالية توازن بين الصفتين، لا يقوم على إلغائهما، أو إلغاء أحدهما.

فلو ألغى الصفتين لاختفى الصـراع وأصبح المرء جمادا، ولو ألغى المادية لاختفت البشـرية وأصـبح من الملائكة، ولو ألغى المثالية لأصبح من [ ص: 124 ] الشـياطين، وكل من الجمـاد والملائـكة والشـياطين له عالم وقوانين غير قوانين البشر..» [1] .

«.. وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا: بالمشكاة وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفي الزجاج وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه، وهي: مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم، ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها،

( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) (الفتح: 29) ،

وقال تعالى: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) (آل عمران: 159) ،

وقال تعالى: ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) (التوبة: 73) ...

وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض:

-أحدهما: قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق؛ وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، [ ص: 125 ] وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب وخبيث.

وفي الزجاجة مصباح وهو النور الذي في الفتيلة وهي حاماته، ولذلك النور مادة وهو الزيت، قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية ، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء» [2] .

- النظر بالعينين معا لحقائق الأشياء:

إن إجراء التوسط والحكم به يقتضي النظر بالعينين معا، في الجمع بين الشيئين المتقابلين، ولذلك لا ترى التطرف أو التقصير حاصـلا في الغالب إلا من النظر بعين واحدة، وهذا ما يشير إليه الغزالي -مثلا- بصدد حديثه عن أهل الظاهر وأهل الباطن فيقـول: «.. حاشا لله، فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين. ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين ولم يفهموا وجهه، كما أن إبطال السرائر مذهب الحشوية، [ ص: 126 ] فالذي يجرد الظاهر حشـوي، والذي يجرد الباطن باطني، والذي يجمع بينهما كامل» [3] ، فالكمال إذا يتطلـب الجمـع بين الطـرفين في الوقت الذي لا يفقد فيه صاحبه ذاتيته، ومن ثم فإن البحث عن الحقيقة والإخلاص في طلبها كما هي، هو دافعه دائما، ولا ضـير أن يأخذها من هذا الطرف أو ذاك، من هذه الطائفة أو تلك، ولو كانت إحداهما أو كلاهما معادية.

إن المفهوم الإسلامي للوسطية ، لا يلغي الطرفين، ليتكون منهما حد ثالث، وإنما يبقى فيه الطرفان متجاورين، ويحتفظ كل طرف بوجوده، وذلك مما يتفق مع الطبيعة البشرية، التي ينتقل فيها الإنسان من حال إلى حال، ويختار بين المفترقات أو المتناقضات، بحسب دوافعه النفسية وحاجات الزمان أو المكان وظروفهما.

فهي ليست وسطية فلسفية، كما هي عند أرسطو، الذي تعني الوسطية عنده، تداخل الشيئين، لكي يتكون منهما في النهاية شيء آخر ثالث، يلغيهما، ويقف بدلا منهما.

فالشجاعة مثلا: حد جديد، مقتضاه إلغاء حدين آخرين: الجبن والتهور، ولكنه غيرهما، وهو فضيلة ووسط بين رذيلتين. وقد انتقدت الوسطية الفلسفية في مجال الأخلاق بالذات، بأنها تحاول أن تضع للأخلاق موازين حسابية أو هندسية. وهذا المقياس لا يصح، كما ذكر الأستاذ عباس محمود العقاد ، رحمه الله، [ ص: 127 ] إلا إذا كان مفروضا على الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين، فيختار التوسط بينهما.

إن الزيادة في الكرم لا تعد في كل حال إسرافا، والزيادة في الشجاعة لا تعد دائما تهورا؛ إذ إن ذلك يتوقف على ظروف عديدة، وبواعث نفسية، ومصالح عامة، بحيث تصبح زيادة الشجاعة، أو المبالغة في الكرم، زيادة في الفضل، دعت إليها ظروف أو بواعث، أو مصالح اجتماعية.

ومن تطبيقات هذه القاعدة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من استحضار التوسط قي تولية الحكام، ففي الحديث عن استعمال الرجل لمصلحة مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان، قال، رحمه الله: «.. المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، يؤثر اسـتنابة خالد ، وكان عمر رضي الله عنه ، يؤثر عزل خالد واسـتنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون الأمر معتدلا...» [4] . [ ص: 128 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث