الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

من لزم القصد بلغ

هذه القاعـدة بلفظها مقتضى ( قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه : لن ينجي أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا ) [1] .

ففي هذا الحديث الإغراء بملازمة القصد، وهو الشاهد عندي هنا، فقد قال ابن حجر في معنى قوله: «القصـد القصـد تبلغوا» أي: «الزموا الطريق الوسط المعتدل» [2] .

وقد ورد الحث على القصد وملازمته في رواية أخرى بلفظ ( يا أيها الناس عليكم بالقصـد، ثلاثا ) [3] ، فهذا صريح في أن القصد مأمور به ومطلوب وهو الملائم للسير لمن أراد بلوغ الهدف، وقد كان ذلك منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر كله.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مواظبا على القصد والاقتصاد في أقواله وأفعاله وسائر أحواله كلها، كارها للغلو والتعمق؛ ومن أمثلة ما جاء فيه الأمر بملازمة القصد: [ ص: 129 ] ما ورد في استحباب القصد في صب الماء في الوضوء وكراهية التعدي فيه: ( أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا الوضـوء فمن زاد على هذا فقد أساء أو تعدى أو ظلم ) [4] . ولا يشفع للتعمق والمبالغة في صب الماء أن يكون صاحبه على نهر جار.. ( فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار ) [5] .

وورد في القصد في الصلاة والخطبة ( عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا ) [6] ؛ وإذا كان الاقتصاد في الصلاة بين من حيث اشتهاره، فإن الحاجة إلى الاقتصاد في الخطبة بما أرشد إليه هذا الحديث ظاهرة من حيث تطويل الأئمة اليوم فيها بما ينافي الفقه في الدين، فالحديث صريح في أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة وغيرها كانت وسطا بين التطويل، الموقع في الملل والسآمة، وبين التقصير، الموقع في الإخلال بالفهم وعدم وضوح المراد.

ومنها الاقتصاد في الأكل، فقد ورد عنه ( أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت [ ص: 130 ] الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ) [7] . وقد ظهر هذا المعنى جليا في حياته صلى الله عليه وسلم بما هو مشـهور، وقد خيره ربه عز وجل بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون نبيا عبدا فاختار التواضع، يجوع يوما فيذكر ويشبع يوما فيشكر [8] .

وفي الاقتصـاد في الموعظة نقرأ ما أخرجه مسـلم عن الأعمش ( عن شقيق قال: كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره، فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي ، فقلنا: أعلمه بمكاننا؛ فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال: إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا ) [9] ، وهكذا ترى مراعـاة حـال الصـحابة وحملهم على الوسـط المعهـود بما فهموه هم، كما ظهر على لسـان عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه ، في هـذا الحـديث ونقـلوه بعـد ذلك إلى من بعـدهم من التـابعين، هو شـأن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن ذلك أيضا: الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه، فقد كان ذلك من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد حث الصحابة وأرشدهم إلى ذلك في [ ص: 131 ] أحاديث كثيرة، منها عن جابر رضي الله عنه ، ( أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام ) [10] ، فالإجمال في الطلب المأمور به في هذا الحديث وغيره معناه الاقتصاد فيه بتحري الحلال واجتناب الحرام، وهي مرتبة بين ترك الطلب رأسا تواكلا وكسلا وبين الإفراط في التحصـيل والجمع، دون النظر أو الاهتمام بوسـيلة ذلك أو مصدره، ( فعن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه، فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصيته ) [11] .

وهذه الأمثلة وغيرها كثير، تأكيد لمعنى القاعدة وما تضمنته، من أن بلوغ المسلم غايته في إرضاء ربه، والقيام بما أمره به أو نهاه عنه من التكاليف، رهين بملازمة القصد والاعتدال، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. [ ص: 132 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث