الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه

وهذا الضابط مستمد من فهم السلف ووصاياهم، وهو يرتد إلى الشعور العميق بضرورة الحرص على التوسط والخوف من الانحراف عن طريق الوسطية والاعتدال ، وهو يصور حالة المؤمن الذي يخشى ألا يدرك الركب، فهو جاد في سيره، ولكنه في الوقت ذاته حريص على أن يستظل، وأن يتزود لكل مرحلة من مراحل سفره.

روى ابن المبارك بسنده إلى يحيى بن جعدة قال: كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل صالح دائم وإن قل [1] .

" وعن كعب الأحبار : إن هذا الدين متين، فلا تبغض إليك دين الله، وأوغل برفق، فإن المنبت لم يقطع بعدا، ولم يسبق ظهرا، واعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت اليوم، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غدا. وهذه إشارة إلى الأخذ بالعمل الذي يقتضي المداومة عليه من غير حرج " [2] .

وقيل لرابعة القيسـية: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان شـيء فخوفي من أن يرد علي.. وقال محمد بن كعب القـرظي ، لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لا تنظرن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك تريد أن تجوز عنك، [ ص: 143 ] الحسن قال: كان من كان قبلكم أرق منكم قلوبا وأصفق ثيابا، وأنتم أرق منهم ثيابا وأصـفق منهم قلوبا .. وعن عبد الله ابن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرم الله عليك فافعل، فإنه من استوعب الحلال كله تاقت نفسه إلى الحرام [3] .

وعن ابن المبارك، رحمه الله، قال: ( بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن عبد بين مخافتين: من ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع فيه، ومن عمر قد بقي لا يدري ماذا يصيب فيه من الهلكات ) [4] .

وعن الحسن، رحمه الله، قال: «إن المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله عز وجل ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ إن المؤمن يفجأ الشيء يعجبه يقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه: ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا، والله لا أعود إلى هذا أبدا إن شاء الله؛ إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم؛ إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا لأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، في بصره، في لسانه، في جوارحه، يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله» [5] . [ ص: 144 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث