الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مصلحة المتعاقدين على السواء في نظر الشرع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مصلحة المتعاقدين على السواء في نظر الشرع

هذا ضابط من ضوابط جريان العقود والمعاملات على التوسط والاعتدال، وهو ما يمكن أن يتقرر بالنظر في اجتهادات الفقهاء وتقريراتهم للأحكام استنباطا من النصوص، وفيما يأتي بعض الأمثلة التي تؤكد صحة هذا الضابط.

- حق القيام بالعيب ومسقطاته قائم على التوسط بين مصلحة البائع والمشتري: منع الشرع من كتمان العيب في المصلحة المبيعة واعتبره غشا، وأوجب على البائع بيانه بما تقتضيه الأخوة الإسلامية من حقوق، فقد ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، ( قـال: سـمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له ) [1] .

ونحن إذا تأملنا في الأحكام التي يثبت بها الرد بالعيب بناء على الأصل المتقدم، وما ذكره الفقهاء من تفصيلات عن أنواع العيوب ومسقطات حق الرد [2] ... وجدنا ذلك كله قائما على التوسط والاعتدال بين مصلحة البائع ومصلحة المشتري، وبيان ذلك يظهر بالمسائل الآتية:

المسألة الأولى: من اشترى سلعة فوجد بها عيبا، فله القيام بالعيب بشرطين: أن يكون العيب أقدم من التبايع ولا يكون حادثا عند المشتري، وهذا بناء على أن من تسبب منهما فيه أو قصر أو فرط حملناه نتيجة فعله وهذا عدل، فإذا اختلف البائع والمشتري في قدمه وحدوثه، لم نقض [ ص: 207 ] لأحدهما على الآخر -وإلا كان إفراطـا في جانب المقضي له وتفـريطا في حق المقضي عليه- فاقتضى الأمر نظر أهل الخبرة والبصر بالأمور ونفذ الحكم بما يقتضي قولهم، وهذا وسط واعتدال.

الشرط الثاني أن يكون المشتري لم يعلم بالعيب حين التبايع: وعدم العلم بالعيب هذا له أسبابه كأن يكون البائع كتمه أو أنه مما يخفي عند التقليب ويحتاج إلى خبرة فائقة زائـدة على المعتاد لمعرفته.. فالاعتـدال في مثل هذه الحالات رد العيب على صاحب السلعة كما تقدم، فإن كان العيب مما لا يخفى عند التقليب والمشتري فرط واستعجل فلا قيام له بالعيب، إذا المعاوضات مبنية على المكايسة والمشـاحة، ومثل هذا ما لو ظـهر منه ما يـدل على الرضـا بالعيب من قول أو سكوت، بعد الإطلاع على العيب أو تصرف في المبيع، فإن حقه في رد السلعة يسقط. وهذا ما يقتضيه المنطق والعدل ضمانا لاستقرار المعاملات بين الناس.

المسألة الثانية: لو افترضنا حدوث عيب آخر بالسلعة عند المشتري، فالاعتدال يقتضي أن يقيم العيب الحادث، فإذا اختار المشتري رد السلعة كان له ذلك مع رد قيمة العيب الجديد لئلا نجمع على البائع بين رد السلعة ونقصان قيمتها وفي ذلك من الحيف والجور ما هو بين. فإذا اختار المشتري إمساك السلعة اقتضى الأمر تقييم العيب القديم وإعطائه قيمته، كما قيل في حق البائع، إذ ليست إحدى المصلحتين بأولى من الأخرى، وهو منتهى الاقتصـاد في النظر بين المصـالح. وإنما جـعلنا الخـيار للمشـتري في الرد أو الإمساك ولم نجعله للبائع باعتبار الأصل أي أن البائع هو صاحب السلعة فعند الاختلاف والخصام يرجع كل منهما إلى ما كان عليه. وهذا اعتدال وتوسط آخر. [ ص: 208 ]

المسـألة الثالثة: إذا بيعت السـلعة بأكثر من ثمنها أو بأقـل منه، وهو ما يسمى بالغبن في الثمن فتقع الخسارة على المشتري في الحالة الأولى وعلى البائع في الثانية، فهل يعد ذلك عيبا ترد به السلعة؟

اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة، وفي المذهب المالكي الغبن ثلاثة أنواع: غبن لا ترد به السلعة: وهو حالة ما إذا اختار المشتري الزيادة في ثمن السـلعة على قيمتها لغرض له؛ وغبن ترد به السلعة كان قليلا أو كثيرا، وهو الغبن في بيع الاسترسال واستسلام المشتري للبائع؛ وغبن فاحش: فللمغبون منهما حق القيام والرد على الآخر.

واختلف فقهاء المذهب في المقدار والحد الذي ينتهي إليه:

الأول: أنه لا حد لمقداره، وإنما يرجع فيه إلى العوائد؛ الثاني: أن الغبن يتحقق إذا بيعت السلعة بأكثر من الثلث زيادة على قيمتها.

وأنت إذا تأملت هذه المسألة ظهر لك التوسط فيها من وجوه:

- الأول: في التفريق بين أنواع الغبن، فليس من اختار الزيادة في الثمن طائعا غير مكره لمصلحة له، كمن استرسل واستسلم للبائع بناء على ثقته به أو عدم خبرته ومعرفته.

- الثاني: في تحكيم العـوائد والأعراف، في معرفة مقدار ما يعد غبنا مما لا يعد؛ توسط من جهة عدم التعيين والتحديد الذي لا ينتهي إلا بانتهاء معرفة المبيعات وأثمانها وهو أمر متعذر.

الثالث: في الاحتكام إلى حد الثلث، توسط واعتدال، إذ أنه لا تخلو معاوضة من غبن، وعلى ذلك قامت معاملات الناس، لكن الاسترسال في [ ص: 209 ] ذلك وعدم ضبطه مظنة الإفراط فإن النفس مجبولة على الشح وحب الخير، فكان «الثلث» مرتبة بين الطرفين.

- التوسط في تنزيل حكم التسعير:

التسعير في اصطلاح [3] الفقهاء: هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرا أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.. أو هو: وضع ثمن محدد للسـلع التي يراد بيعها بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري [4] . وقد ورد بشأنه ( حديث أنس رضي الله عنه ، قـال: غلا السـعر على عهـد رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقـالوا: يا رسـول الله سـعر لنا فقال: إن الله هو المسـعر القابض الباسـط الرزاق وإني لأرجـو أن ألقى ربي وليس أحـد منكم يطـلبني بمظـلمة في دم ولا مال ) [5] .

فذهب طائفة من العلماء منهم الظاهرية إلى تحريم التسعير استنادا إلى هذا الحديث ووقوفا مع ظاهره، إذ لو كان مباحا جائزا ما امتنع صلى الله عليه وسلم من إجابتهم إلى ما سألوه خصوصا والحاجة إلى ذلك بادية من غلاء السعر.

وأيدوا وجهة نظرهم هذه بما تقرر في الشريعة من أن الأصل أن الناس أحرار في تصرفاتهم المالية، والحجر عليهم وإجبارهم على البيع بسعر محدد [ ص: 210 ] مناف لهذه الحرية. كما أن إلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) (النسـاء: 29) ، ( وقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحـل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه ) [6] .

وذهب بعض العلماء إلى جواز التسعير مطلقا، ومنهم سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن ويحي بن سعيد الأنصاري . وقد علل هذا القول بأنه مصلحة للناس وفيه منع من إغلاء السعر.

وبين هذين الرأيين توسط فريق من العلماء فحملوا الغلاء الوارد في الحديث على أنه كان في الأحوال العادية التي اقتضاها قانون العرض والطلب وإليه يومىء ( قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو القابض الباسط الرزاق ) [7] فقالوا: بالمنع من التسـعير في هذه الحالة، فإذا لم يكن الغلاء اعتياديا بأن تواطأ الباعة على رفع السعر والبيع بأكثر من ثمن المثل مثلا فإن الحكم المناسب لهذه الحالة ومثيلاتها هو القول بجواز التسعير.

ويبدو التوسط جليا في هذا القول من كونه يجمع بين تحقيق المعنى الذي قصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في امتناعه من التسعير لهم: وهو خشية وقوع الظلم وإلحاق الضرر، إذ أن مصـلحة البائع والمشتري على السواء، كما تقدم، فإذا تقابل الأمران وجب تمكين الطرفين من الاجتهاد في مصـلحتهما، وبين مراعاة المصـالح التي علل بها القائلون بجواز التسـعير، مما يفيد أنه إن لم تدع الحاجة أو المصلحة إلى التسعير فإن الوقوف مع ظاهر النص أولى. [ ص: 211 ] وقد عبر القاضي ابن العربي ، رحمه الله، عن هذه النظرة الوسط بكلام نفيس جاء فيه: «قال سائر العلماء بظاهر الحديث لا يسعر على أحد والحق التسعير، وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون لا يعرف إلا بالضبط للأوقات ومقادير الأحوال وحال الرجال -والله الموفق للصواب- وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم واستسلموا إلى ربهم وأما قوم قصدوا أكل الناس والتضييق عليهم فباب الله أوسع وحكمه أمضى» [8] .

وقـال ابن القيم ، رحمه الله، معبرا عن هذا المعنى ومؤكدا له: «وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسـعير ، سـعر عليهم تسـعير عدل لا وكس ولا شـطط، وإذا اندفعت حاجـتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل» [9] .. وقـال صاحب الفتاوى الهندية: «ولا يسعر بالإجماع إلا إذا كان أرباب الطـعام يتعدون عن القيمة، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسـلمين إلا بالتسـعير. فلا بأس به بمشـورة أهل الرأي والبصر وهو المختار وبه يفتى» [10] .

وهكذا يبرز التوسط في الجمع بين الرأيين، أي ظاهر النص ومعناه من جهة، كما يتجلى في الغاية التي يسعى إلى تحقيقها وهو تحقيق التوازن والاعتدال بين المالك والمشتري فلا يظلم الأول ولا يرهق الثاني، أو لا وكس ولا شطط ، بعبارة ابن القيم. [ ص: 212 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث