الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه

جزء التالي صفحة
السابق

ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم

[ ص: 149 ] روى الواحدي عن محمد بن كعب قال : لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد - قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ فأنزل الله هذه الآية : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه الآية . ونقول : نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله - تعالى - : أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا [ 3 : 165 ] وسيأتي . ولكن هذا القول ليس سببا لنزول هذه الآية وحدها ، وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها .

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله - تعالى - : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم وقال بعضهم : إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم ، واختاره ابن جرير ، وروي فيه عن السدي أنه قال : " لما برز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين ، وقال : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير ، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال : يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال : والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة ، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال : أنشدك الله والرحم يا ابن عم . فتركه . فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لعلي أصحابه : ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال : إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه ، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم ، وحمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فهزموا أبا سفيان ، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد - وهو على خيل المشركين - حمل فرمته الرماة فانقمع ، فلما نظر الرماة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة ، فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر ، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا [ ص: 150 ] على المسلمين فهزموهم وقتلوهم " اهـ . أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة ، وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرماة : فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها ، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم ، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا ، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن ، وإنما قال النبي ما قال للرماة عملا بالقرآن وتأويلا له ; فإنه - تعالى - قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات .

فملخص تفسير الآية هكذا ولقد صدقكم الله وعده إياكم بالنصر حتى في هذه الوقعة إذ تحسونهم أي المشركين أي تقتلوهم قتلا ذريعا بإذنه - تعالى - أي بعنايته وتأييده لكم حتى إذا فشلتم ضعفتم في الرأي والعمل ، فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة وتنازعتم في الأمر فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون ؟ ، وقال الآخرون : لا نخالف أمر الرسول وعصيتم رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء منكم من يريد الدنيا كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها ومنكم من يريد الآخرة كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير ، وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلا ، والذين ثبتوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم ثلاثون رجلا ، أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين ، واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم ، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية لم تعودوا مستحقين لهذه العناية لمخالفتكم لسنته في استحقاق النصر الذي وعد به أهل الثبات والصبر ; فعلى هذا تكون حتى للغاية و إذا في قوله : حتى إذا فشلتم ليست للشرط وإنما هي بمعنى الحين والوقت . هذا هو المختار . والوجه الثاني :أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين " منعكم نصره " أو نحوه ، وقال الأستاذ الإمام : إن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب ، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر الجواب بكل شغف ولهف ، ولك أن تجعل تقديره : امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم . أقول : وهذا هو صريح قوله : ثم صرفكم عنهم ليبتليكم وأبو مسلم قد قال : إن هذه الجملة هي جواب " إذا " ولكن اقتران جواب الشرط بثم غير معروف لنا في كلام العرب .

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم ، وحال بينكم وبين تمام النصر [ ص: 151 ] ليمتحنكم بذلك ، أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر ، أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارا لكم يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل بين الأقوياء والضعفاء ، كما علم من الآيات السابقة ، وقد أسند الله - تعالى - صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل ، وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق : قل هو من عند أنفسكم [ 3 : 165 ] ، باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان ، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفا لا حاجة إليه ، إذ لا إشكال فيه ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات .

قال - تعالى - : ولقد عفا عنكم بذلك التمحيص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد كما علم مما مر وما يأتي والله ذو فضل على المؤمنين فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم ، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم ، حتى يبتلي ما في قلوبهم ، ويمحص ما في صدورهم ، فيكونوا من المخلصين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث