الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المطلب الثاني: الوقف اصطلاحا:

الوقف في اصطلاح الفقهاء ومن ثم في اصطلاح القانون والاقتصاد هو ما سيتناوله هذا المطلب..

أولا: الوقف في الاصطلاح الشرعي:

اختلف الفقهاء في تعريفهم للوقف، ويعود سبب الاختلاف إلى اختلاف مذاهبهم في الوقف، من حيث حـكمه (كونه لازما من عدمه) ، أو شروطه، أو عائديته، وحتى من حيث تكونه.

- تعريف الشافعية للوقف:

عرفه الإمام النووي [1] بأنه: «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته، وتصرف منافعه تقربا إلى الله تعالى». ويقصد بالحبس الوارد في التعريف المنع، ويشتمل على كافة أنواع الحبس. [ ص: 34 ] أما المال فهو قيد أخرج منه ما ليس بمال، كالخمر والخنـزير والإنسان الحر. والمال عندهم «هو العين المعينة المملوكة ملكا يقبل النقل» يحصل منها فائدة أو منفعة تستأجر لها [2] . وقد وضع النووي (رحمه الله) قيدا آخر عندما قال: «يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه» إذ احترز به عما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالريحان والطعام. إذ إن الوقف يقطع التصـرف في المال الموقوف، فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا يورث.. وختم تعريفه بعبارة (تصرف منافعه تقربا إلى الله تعالى) ، ويعني ذلك أن التقرب شرط لصحة الوقف عند النووي.

- تعريف الحنفية للوقف:

ذكر الإمام السرخسي في مبسوطه أن الوقف هو «حبس المملوك عن التمليك من الغير» [3] .

ذكر في التعريف عبـارة «الممـلوك» وهو قيد أريد به التمييز عن غـير الممـلوك؛ ذلك لأن الواقف لا يصح وقفه ما لم يكن مالكا للعين المراد وقفها.

أما عبارة «التمليك من الغير» فهي قيد ثاني، أريد منها الإفهام أن العين الموقوفه لا تنسحب عليها تصرفات الواقف في ملكه كالبيع أو الرهن أو الهبة وغيرها. و «من الغير» دلت على بقاء العين في ملك الواقف. [ ص: 35 ] وقد اعترض على هذا التعريف من أوجه ثلاثة [4] :

1- الأول: ذكر السرخسي في تعريفه كلمة (حبس) الذي يشير إلى كون الوقف هنا غير لازم -وهو ما يقول به أبو حنيفة- إذ اتضح أن العين الموقوفة تبقى في ملك واقفها -مما يولد تناقضا- فكيف تبقى في ملك واقفها (صاحبها) وفي الوقت ذاته هي محبوسة أي تخرج من ملكه، على أنه يمكن الرد على هذا الاعتراض بكون الوقف تقييدا لحزمة حقوق الملكية.

2- الثاني: ورد في التعريف لفظ (مملوك) وهو لفظ يشتمل على كل مملوك، فـلم يميز ما بين المنقـول والثابت - ولا يصح عند أبي حنيفة، رحمه الله، وقف المنقول.

3- الثالث: أغفل التعريف ما يتم به حقيقة الوقف، ألا وهو التصدق بالمنفعة على الجهة التي يراها الواقف.

- تعريف المالكية للوقف:

عرف ابن عرفة الوقف بأنه «إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في معطيه ولو تقديرا» [5] .

يلاحظ أن المعرف ذكر إعطاء منفعة وهو احتراز منه ليميزه عن إعطاء العين كالهبة مثلا. [6] [ ص: 36 ]

- تعريف الحنابلة للوقف:

عرفه ابن قدامة بأنه «تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة» [7] .

- تعريف الوقف عند الزيدية :

عرف صاحب (الشفاء) الوقف، على ما نقله ابن مفتاح في المنتزع المختار، بأنه «حبس مخصوص على وجه مخصوص بنية القربة». [8] وقد بين الإمام الشوكاني، رحمه الله، في تعليقاته القيود الواردة في هذا التعريف [9] : إذ أخرج الرهن والإجارة بقوله: (حبس مخصوص) ، وأخرج الحجر بقوله: (على وجه مخصوص) ، وأخرج كل أنواع التمليكات التي لا يشترط فيها توفر نية القربة بقوله: (بنية القربة) .

وقد اعترض على هذا التعريف بإغفاله للطرف الذي يقع منه الوقف والشيء الذي يقع عليه الوقف. لذا أضاف الشوكاني على هذا التعريف لفظ ( من شخص مخصوص على عين مخصوصة) [10] .

- تعريف الوقف عند الإمامية:

عرفه المحقق المحلي بأنه «عقد ثمرته: تحبيس الأصل وإعطاء المنفعة» [11] . [ ص: 37 ] يتبين من جميع التعريفات السابقة أثر المذهب، فكل يعرف الوقف بشرط مذهبه، كما هو واضح. فالمالكية يذكرون (ملك الواقف) و (مدة وجوده) إشارة إلى جواز تحبيس المنفعة المملوكة وجواز التوقيت في الوقف. والشافعية يؤكدون (قطع التصرف) و (عين المال) في إشارة إلى صرف الوقف للأعيان فقط دون المنافع وانتقال الموقوف ليصبح على ملك الله تعالى. ومن قال بمذهب أبي حنيفة وضع في التعريف بقاء الموقوف على ملك الواقف إشارة إلى عدم لزوم الوقف وحقه في الرجوع عنه. [12] وانسجاما مع تزايد الحاجة إلى الأموال الموقوفة وتنامي دورها في الحياة الاقتصادية، نعتقد أن تعريف الوقف يجب أن يشتمل على جميع أنواع الوقف وعلى جميع شروطه، ويقصد بذلك: (الحبس المؤبد أو المؤقت للمال، بنية الانتفاع منه أو من ثمرته على وجوه البر، عامة كانت أو خاصة) .

ثانيا: الوقف في اصطلاح القانون والاقتصاد:

أ- الوقف في اصطلاح القانون:

لم يكن حال القوانين المعاصرة بأفضل من حال الفقهاء، فقد سرى فيها الاختلاف أيضا.

فمثلا عرف قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في السودان الوقف بأنه: (حبس على حكم ملك الله تعالى والتصدق بمنفعته في الحال أو المآل) [13] . [ ص: 38 ] ولعل تعريف الوقف في مشروع قانون الوقف الكويتي لسنة 1999 أكثر سلاسة وإيضاحا إذ ذكر بأنه: (حبس مال وتسبيل منافعه وفقا لأحكام هذا القانون) .

ب- المفهوم الاقتصادي للوقف:

عرف منذر قحف الوقف اقتصاديا، بأنه: «تحويل للأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية، تنتج المنافع والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، جماعيا أو فرديا». فهو إذن عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معا. فهي تتألف من اقتطاع أموال -كان يمكن للواقف إن يستهلكها إما مباشرة أو بعد تحويلها إلى سلع استهلاكية- عن الاستهلاك الآني، وبالوقت نفسه تحويلها إلى استثمار يهدف إلى زيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع [14] .

ويمكن أن يستنبط من هذا التعريف ما يأتي [15] :

1- اقتطاع جزء من الاستهلاك وتحويله إلى الادخار المضمون (الإيجابي) أي الموجه نحو الاستثمار مباشرة. [ ص: 39 ] 2- تـؤدي الأوقـاف إلى زيادة الجانب الخـدمي والمنفعي لفئات محـددة من أفراد المجتمـع وبالتـالي يكـون مردودها على المجتمـع بشكل غير مباشر.

3- توفر الأوقاف فرصا استثمارية لزيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع عن طريق ما تقوم به من مؤسسـات إنتاجية مختلفة المردود ومتنوعة من حيث التخصص.

4- تؤدي الأوقاف إلى ضمان ما يسمى بالتنمية المستدامة عن طريق إنتاج منافع وتوفير إيرادات تستهلك في المستقبل.

5- إمكانية النهوض بالأوقاف فرديا على مستوى أفراد، أو من قبل المجتمع بصفة كلية، حسب نوع وطبيعة المشروع الوقفي مع ضمان حق كل جهة على حدة.

ويلاحظ في التعريف أيضـا، أنه لا يبتعـد كثـيرا عن تعاريف الوقف، سـواء عند الفقـهاء أو بعض القوانين المعاصرة، فـ «تحويل الأموال عن الاستهلاك واستثمـارها في أصـول إنتاجية رأسمالية»، هو حبس مال، وأما ما ينتج منه من منافع وإيرادات تستهلك في المستقبل، فهو تسبيل المنفعـة في المآل، وقوله: «جماعيا أو فرديا»، أراد به شمول جميع أنواع الوقف. [ ص: 40 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث