الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في حكم المشترك بالنسبة إلى معنييه أو معانيه

جزء التالي صفحة
السابق

مسألة [ في حكمه بالنسبة إلى معنييه أو معانيه ]

اعلم أن معاني المشترك إما أن يمتنع الجمع بينهما كالضدين والنقيضين إذا فرعنا على جواز الوضع لهما ، وهو الصحيح فلا يحمل على معنييه قطعا ، وكذا الاستعمال فيهما بلا خلاف كذا قالوا ، لكن حكى صاحب " الكبريت الأحمر " عن أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يراد به معنياه ، وإن كان بينهما منافاة وهو غريب .

مثال النقيضين : لفظة " إلى " على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه .

ومثال الضدين : صيغة " افعل " عند من يجعلها حقيقة في الطلب وفي التهديد ، فإنها مشتركة بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ولا الحمل عليهما ، ولهذا لو قال : أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار لم يثبتا ، لأنهما وإن اشتركا في التحريم لكن بينهما منافاة ، لأن الطلاق يفك قيد الزوجية بخلاف الظهار . [ ص: 385 ]

قال الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وحينئذ يصير مجملا فيطلب البيان من غيره . قال الأستاذ : وكذلك في الحقيقة والمجاز والكناية والصريح ، لكن هاهنا الحقيقة أولى من المجاز ، والصريح أولى من الكناية ، قال : ولولا الإجماع على أن المراد بآية القرء في العدة أحد الجنسين من طهر أو حيض لحملناها عليهما لوقوع اسم القرء عليهما ، لكن لما أجمعوا على أن المراد به أحدهما توقف في الدليل لكاشف عن المراد .

وما حكيناه عن الإجماع عن المنع في هذه الحالة حكاه غير واحد ، منهم الأستاذ .

وأغرب صاحب " الكبريت الأحمر " فقال : وقال أبو الحسن الأشعري : يجوز ذلك وإن كان بينهما منافاة ، وأما إذا أمكن الجمع بينهما ، فإن تكلم به مرات جاز أن يستعمل في كل مرة غير ما استعمله في الأخرى ، وإنما الخلاف فيما إذا تكلم به مرة واحدة .

ثم الكلام فيه في مواطن ثلاثة : استعمال اللفظ في حقيقته ، وفي حقيقته ومجازه ، وفي مجازيه .

فأما الأول : فله مقامان :

أحدهما : هل يجوز أن يراد به جميع المتناولات ؟ فيه مذاهب :

أحدها : الجواز ونسب للشافعي ، وقطع به ابن أبي هريرة في تعليقه " ، ومثله بقوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون } فالاسم واحد ، واختلف المراد به فكانت الصلاة من الله رحمة ، ومن المؤمنين دعاء ، ومن الملائكة استغفارا ، وكذلك : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } فكانت شهادته علمه وشهادة الملائكة إقرارهم بذلك ، وقوله : { لا تقربوا الصلاة } يعني وضعها للجنس ، وموضعها وفعلها [ ص: 386 ] للسكران ، وهو الذي نص عليه القاضي في " التقريب " قال : ولا يحتاج إلى تكرارها والتكلم بها في وقتين لعلم كل عاقل أنه يصح قصده من نفسه بقول : لا تنكح ما نكح أبوك إلى نهيه عن العقد ، وعن الوطء جميعا ، ونقله إمام الحرمين في " التلخيص " عن مذاهب المحققين وجماهير الفقهاء .

قال ابن القشيري في أصوله " : قال القاضي وهو الاختيار عندنا - أنه يجوز إذا دلت عليه القرينة ، فلا يمتنع أن تقول : العين مخلوقة ونعني جميع محاملها ، وحكاه صاحب " المعتمد " " والقواطع " عن أبي علي الجبائي والقاضي عبد الجبار .

وقال صاحب " الكبريت الأحمر " : إنه مذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة وحكاه أبو سفيان في " العيون " عن أبي يوسف ومحمد . وحملوا من حلف لا يشرب من الإناء ، على الكرع والشرب من الإناء ، وحمله أبو حنيفة على الكرع ، ونسبه القاضي عبد الوهاب لمذهبهم . قال : وهو قول جمهور أهل العلم ، وقد قال سيبويه : يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر على حال المدعو عليه نحو : " الويل له " فهذا دعاء عليه وخبر عنه ولهما معنيان مختلفان .

ثم اختلف المجوزون في موضعين :

أحدهما : أن استعماله في الجميع هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز ؟ قال الأصفهاني : واللائق بمذهب الشافعي جواز استعماله بطريق الحقيقة ، لأنه يوجب حمله على الجميع ، ونقله الآمدي عن الشافعي والقاضي كسائر الألفاظ العامة في صيغ العموم ، ولهذا حملت على [ ص: 387 ] التجرد على الجميع . ونقل صاحب " التلخيص " عن الشافعي أنه بطريق المجاز ، وهو ميل إمام الحرمين ، واختاره ابن الحاجب .

الثاني : اختلفوا في أنه إذا أراد المعنيين ، هل يتعلق بهما إرادة واحدة أم إرادتان ؟ وقال الإمام في " التلخيص " وابن القشيري : والأصح : أن الإرادة الواحدة لا تتعلق إلا بمراد واحد ، فلا يتحقق إرادة المرادين إلا بإرادتين .

وفصل القاضي في " التقريب " فقال : إن كان المتكلم بها هو الله عز وجل ، فإنما يريدها وجميع أراد به بإرادة واحدة ، وإن كان المتكلم محدثا فإنما يريدهما جميعا بإرادتين غير متضادتين ، ولو كان يريدهما بإرادة واحدة لاستحال أن يراد أحدهما دون الآخر .

وشرط أبو الحسن بن الصائغ النحوي في " شرح الجمل " كون المشترك يدل على معنى يعم مدلوليه ، وهو الصريح في الاشتراك ، كاللمس الذي يراد به المس مطلقا والوقاع . قال : فإن لم يدل فينبغي امتناعه بلا خلاف كما لو قلت : رأيت زيدا أو عمرا أخاك ، وأردت برأيت زيدا أبصرته ، وبه مع ما بعده علمت ، أو رأيت زيدا والطائر . تريد في الطائر ضربت رئته ، وفي زيد الإبصار ، فينبغي أن يجوز هذا باتفاق لعدم الصراحة .

المذهب الثاني : المنع : ونصره ابن الصباغ في " العدة " وإليه ذهب أبو هاشم والكرخي وأبو عبد الله البصري وفخر الدين وغيرهم . [ ص: 388 ]

قال الأستاذ : وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة .

وقال أبو بكر الرازي : كان الكرخي يحكيه عن أبي حنيفة ، وأن أبا يوسف جوزه .

وقال القاضي في " التقريب " زعم ابن الجبائي ، ووافقه جماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه غير جائز ، وأنه متى أريد بها معنيان مختلفان فلا بد من تكرارها والتكلم بها في وقتين يراد بها في أحدهما أحد المعنيين ، وفي الآخر المعنى الآخر . ا هـ .

ومراده بابن الجبائي أبو هاشم كما قاله القاضي عبد الوهاب .

قال صاحب " المعتمد " : وشرط أبو عبد الله في المنع شروطا أربعة : اتحاد المتكلم ، والعبارة ، والوقت ، وأن يكون المعنيان مختلفين ، لا ينتظمهما فائدة واحدة ، فمتى انخرم شرط جاز أن يرادا .

وما حكيناه عن أبي هاشم صرح به أبو الحسين في " المعتمد " عنه ، لكن أفاد صاحب " الكبريت الأحمر " أن له في المسألة قولين وأنه ذهب في كتاب " البغداديات " إلى الجواز إذا لم يكن بينهما منافاة . وفي غيره إلى المنع مطلقا .

ثم اختلف المانعون في سبب المنع ، فقيل : أمر يرجع إلى القصد ، أي : لا يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا ، ولكنه يمكن أن يقصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة ويكون خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد ، ولكل أحد أن يطلق لفظا ، ويريد به ما شاء .

وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري وهو ضعيف ، إذ لا استحالة في ذلك . [ ص: 389 ]

وقيل : سببه الوضع الحقيقي : أي : أن الواضع لم يضع اللفظ المشترك لهما على الجميع بل على البدل ، فلا يصحح إطلاقه بطرق الحقيقة على الجميع ، ولا يلزم من وضع اللفظ لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما على الجميع .

والمشترك إنما وضع لكل منهما على البدل ، فاستعماله في الجميع استعمال اللفظ في غير موضوعه ، ولكن يجوز أن يراد جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة مشعرة بذلك .

وهذا ما اختاره ابن الحاجب والسهروردي في " التنقيحات " وفخر الدين الرازي وغيرهم ، وكلام إمام الحرمين ، محتمل لهما .

و [ المذهب ] الثالث : لا يستعمل في الجميع إذا تجرد عنه القرائن ، ويجوز مع القرينة " المتصلة " وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في " البرهان " .

و [ المذهب ] الرابع : الفرق بين النفي والإثبات : والفرق : أن النكرة في سياق النفي تعم ، فيجوز إرادة مدلولاته المختلفة ، ورد بأن النفي لا يرفع إلا ما يقتضي الإثبات ، وهذا القول حكاه ابن الحاجب ، وإنما هو احتمال أنه أبداه صاحب " المعتمد " ، وتبعه في " المحصول " . وقيل : إن الماوردي حكاه وجها لأصحابنا في كتاب الأشربة وهو ظاهر كلام الحنفية ، فإنهم قالوا : إذا حلف لا يكلم موالي فلان يتناول الأعلى والأسفل وقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم [ ص: 390 ] من النساء } يتناول الوطء والعقد ، إن قلنا : إنه مشترك .

و [ المذهب ] الخامس : يجوز في الجمع كقوله اعتدي بالأقراء دون المفرد ، لأن الجمع في حكم تعديد الأفراد ، وحكاه الماوردي عن بعض أصحابنا في كتاب الأشربة ، وهذا مفرع على جواز تثنية المشترك وجمعه .

وقد منعه أكثر النحاة وجوزه ابن الأنباري وابن مالك ، وقال ابن الحاجب : الأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني على الخلاف في المفرد ، فإن جاز ساغ وإلا فلا ، وقيل : بل يجوز وإن لم يجز في المفرد ، وذكر في " شرح المفصل " أن تثنيته شاذة ، وأن الأكثر المستعمل خلافه .

[ المذهب ] السادس : أنه ينظر في المعنى ، فإن كان أحدهما يتعلق بالآخر من جهة المعنى كالنكاح ، فإنه يتناول العقد والوطء ، واللمس يتناول الوطء والمس باليد ، وكل منهما متعلق بالآخر يجوز إرادتهما والحمل عليهما ، وإن كان أحدهما غير متعلق بالآخر لم تجز إرادتهما والحمل عليهما بلفظ واحد . حكاه بعض شراح " اللمع " وهو غريب .

[ المذهب ] السابع : الوقف ، واختاره الآمدي ونبه القاضي في " التقريب " على أن محل الخلاف في إرادتهما في وقت واحد من غير تكرار ، وأنه متى أريد بهما المعنيان وكررا في وقتين أريد به في أحدهما أحد المعنيين ، وفي الآخر الأخرى فلا خلاف في الجواز .

المقام الثاني : إذا جوزنا الاستعمال فهل يجب على السامع حمله على ذلك إذا تجرد عن قرينة صارفة ؟ فيه مذاهب : [ ص: 391 ]

أحدهما : أنه يحمل على جميع المعاني ، قال ابن القشيري : وعليه يدل كلام الشافعي ، لأنه لما تمسك بقوله تعالى : { أو لامستم النساء } فقيل : أراد بالملامسة المواقعة ، فقال : أحمله على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا ، يعني وإذا قال ذلك في الحقيقة والمجاز ففي الحقيقتين أولى .

وقال الأستاذ أبو منصور إنه قول أكثر أصحابنا ، ولهذا حملنا آية اللمس على الجماع ، وعلى الجس باليد ، ونقله غيرهما عن الشافعي ، والقاضي صريحا .

وقال القرطبي : الحق أن في النقل عنهما في هذا خللا ، ونقله الإمام الرازي في " المناقب " عن القاضي عبد الجبار والبيضاوي في الكلام على الجمع المنكر عن الجبائي ، لأنه لو لم يجب ، فإما أن يحمل على واحد منهما ، ويلزم تعطيل النص ، ولأن العمل بالدليل واجب ما أمكن ، وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ المشترك من غير قرينة ، فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة تعميم ، ولما فيه من الاحتياط

الثاني : المنع وهو قول ابن عقيل من الحنابلة .

وقال الرافعي في باب التدبير : إنه الأشبه فقال : والأشبه أن اللفظ المشترك مراد به جميع معانيه ، ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها ، وليس كما قال ، وإنما هذا مذهب الحنفية كما قاله أبو زيد الدبوسي في " تقويم الأدلة " . قال : ولهذا قال علماؤنا : من أوصى لمواليه ، وله موال أعتقوه وموال أعتقهم أن الوصية باطلة ، لأن معنى الولاءين مختلف ، فيراد بالوصية للأعلى الجزاء ، وللأسفل زيادة الإنعام ، وإذا قال لامرأة : إن نكحتك فأنت طالق ، لم ينصرف إلى العقد والوطء جميعا ، لأنهما مختلفان . ا هـ . [ ص: 392 ] وبه قال الإمام فخر الدين تفريعا على القول بجواز الاستعمال .

والثالث : التوقف لا يحمل على شيء إلا بدليل ويصير مجملا . وبه قال القاضي كما سنذكره .

قال القاضي أبو منصور : وهو قول الواقفية في صيغ العموم . ا هـ .

واختاره ابن القشيري في أصوله " و " تفسيره " : لأنه ليس موضوعا للجميع ، بل لآحاد مسميات على البدل ، وادعاء إشعارها بالجميع بعيد .

قال نعم ، يجوز أن يريد المتكلم به جميع المحامل ، ولا يستحيل ذلك في العقل ، وفي مثل هذا فقال : يحتمل أن يكون المراد كذا ، يحتمل أن يكون كذا . ا هـ .

والرابع : إن كان بلفظ المفرد فهو مجمل ، أو بلفظ الجمع وجب به الحمل ، وهو قول القاضي عن الحنابلة في " الكفاية " . هذا كله حيث لا قرينة تعين مراد اللافظ ، فإن وجدت قرينة بواحد منها نظر : فإن كان بين تلك المعاني منافاة بقي اللفظ مجملا إلى المرجح ، وإن كانت معانيه متساوية ، فالمشهور أنه يجب حمل اللفظ عليها ، وإن قلنا : لا يحمل عند عدم القرينة وحكي في " المحصول " عن بعضهم : أنه يتعارض الدليل المانع من حمل المشترك على جميع معانيه ، والقرينة الموجبة تحمله عليها ، فيعتبر بينهما الترجيحات ، قال : وهذا خطأ ، لإمكان الجمع بأن يقال : المتكلم تكلم به مرات ، وأراد بكم مرة معنى من معانيه ، والدليل المانع لا ينفي ذلك .

وقال بعض شراح " اللمع " : إن دل الدليل على أحدهما حمل عليه قطعا ، وإن دل على أن المراد أحدهما ، ولم يعين وجب الوقف حتى يعلم ذلك الواحد بعينه قطعا ، وإن لم يعلم المراد به فهو موضع الخلاف . [ ص: 393 ]

تنبيهات

التنبيه الأول

في تحرير النقل عن الشافعي والقاضي في هذه المسألة :

أما الشافعي فقد اشتهر عنه في كتب المتأخرين القول الأول ، وقد أنكر ذلك أبو العباس بن تيمية ، وقال : ليس للشافعي نص صريح فيه ، وإنما استنبطوا هذا من نصه فيما إذا أوصى لمواليه ، وله موال أعلى وأسفل أو وقف على مواليه ، فإنه يصرف للجميع ، وهذا الاستنباط لا يصح لاحتمال أنه يرى أن اسم الموالي من الأسماء المتواطئة ، وأن موضوعه للقدر المشترك بين الموليين ، ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة كلية في الأسماء التي لا شركة بين معانيها ، وإنما الاشتراك بينهما في مجرد اللفظ قلت : وهذا نقله ابن الرفعة في " الكفاية " عن شيخه الشريف عماد الدين وأن تناول الاسم لهما معنى واحد على جهة التواطؤ وهي الموالاة والمناصرة ، ثم نازع فيه في باب الوصية من " المطلب " بأن هذا يقتضي التصحيح وصرف الريع والوصية إليهما ، والسؤال إنما يتجه على القول بعدم الصحة . ا هـ .

ويحتمل أن يقال : إن مواليه جمع مضاف ، فالتعميم من هذه الحيثية لا من جهة الاشتراك ، لكن كلام الشافعي في مواضع يدل للقول الأول ، منها : أنه احتج في " الأم " على استحباب الكتابة فيما إذا جمع العبد بين الأمانة والقوة على الكسب بقوله تعالى : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم [ ص: 394 ] خيرا } ففسر الخير بالأمرين . قال : وأظهر معاني الخير قوة العبد بدلالة الكتاب : الاكتساب مع الأمانة ، فأحب أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا . ا هـ .

ومنها : أنه نص في " الأم " في لفظة " عند " المشترك بين إفادة الحضور والملك في حديث حكيم بن حزام { لا تبع ما ليس عندك } . قال : وكان نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المرء ما ليس عنده يحتمل أن يبيع بحضرته ، فيراه المشتري كما يراه البائع عند تبايعهما ، ويحتمل أن يبيع ما ليس عنده ما ليس يملك تعيينه فلا يكون موضوعا مضمونا على البائع يؤخذ به ، ولا في ملكه ، فيلزمه أن يسلمه إليه لأنه يعينه ، وعنى هذين المعنيين .

ومنها : حمله اللمس في الآية كما سبق عن القشيري .

فإن قيل : فلم لم يحمل الشفق على معنييه ، بل اعتبر في آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق الأحمر ؟ قلنا : لأنه ورد في حديث آخر تعيينه بالأحمر ، فلهذا لم يقل بالاشتراك .

وأما [ النقل عن ] القاضي فأنكره ابن تيمية أيضا : قال لأن من أصله الوقف في صيغ العموم ، وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق بغير دليل ، وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك أصلا ، وأن ما يظن من الأسماء [ ص: 395 ] المشتركة هي عنده من الأسماء المتواطئة .

قلت : وممن استشكل ذلك الإبياري وتابعه القرافي ، لكن القاضي إنما ينكر وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها وكلامنا في الاستعمال ، ويحتمل أنه فرعه على القول بصيغ العموم ، على أن الذي رأيته في " التقريب " للقاضي بعد أن قرر صحة إرادة المعنيين من المتكلم . قال : فإن قيل : هل يصح أن يراد المعنيان ، أي يحمل عليهما بالظاهر أم بدليل يقترن بهما ؟ قيل : بل بدليل يقترن بهما لموضع احتمالهما للقصد تارة إليهما وتارة إلى أحدهما ، وكذلك سبيل كل محتمل من القول ، وليس بموضوع في الأصل لأحد محتمليه . ا هـ .

وزاد عند إمام الحرمين في " تلخيص التقريب " فإنا نقول : إذا احتمل إرادة المعنيين واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف في معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع والتخصيص ، وكيف لا نقول ذلك ونحن على نصرة نفي صيغة العموم ؟ انتهى . فظهر أن الصواب في النقل عن القاضي : المذهب الثالث وهو التوقف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث