الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا "

[ ص: 441 ] القول في تأويل قوله تعالى ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ( 8 ) )

يقول - تعالى ذكره - : أفمن حسن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به ، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان ، فرآه حسنا فحسب سيئ ذلك حسنا ، وظن أن قبحه جميل ، لتزيين الشيطان ذلك له . ذهبت نفسك عليهم حسرات ، وحذف من الكلام : ذهبت نفسك عليهم حسرات اكتفاء بدلالة قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) منه ، وقوله ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) يقول : فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك ، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك ، ويهدي من يشاء ، يقول : ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك والقبول منك ، فتهديه إلى سبيل الرشاد ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) يقول : فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالتهم وكفرهم بالله وتكذيبهم لك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) قال قتادة ، والحسن : الشيطان زين لهم ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) أي : لا يحزنك ذلك عليهم ; فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) قال : الحسرات الحزن ، وقرأ قول الله ( يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) ووقع قوله ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) موضع [ ص: 442 ] الجواب ، وإنما هو منبع الجواب ، لأن الجواب هو المتروك الذي ذكرت ، فاكتفى به من الجواب لدلالته على الجواب ومعنى الكلام .

واختلفت القراء في قراءة قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) فقرأته قراء الأمصار سوى أبي جعفر المدني ( فلا تذهب نفسك ) بفتح التاء من " تذهب " و " نفسك " برفعها . وقرأ ذلك أبو جعفر ( فلا تذهب ) بضم التاء من " تذهب " و " نفسك " بنصبها ، بمعنى : لا تذهب أنت يا محمد نفسك .

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ; لإجماع الحجة من القراء عليه .

وقوله ( إن الله عليم بما يصنعون ) يقول - تعالى ذكره - : إن الله يا محمد ذو علم بما يصنع هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم ، وهو محصيه عليهم ، ومجازيهم به جزاءهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث