الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ( 32 ) )

اختلف أهل التأويل في معنى الكتاب الذي ذكر الله في هذه الآية أنه أورثه الذين اصطفاهم من عباده ، ومن المصطفون من عباده ، والظالم لنفسه؟ فقال بعضهم : الكتاب هو الكتب التي أنزلها الله من قبل الفرقان . والمصطفون من عباده أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - . والظالم لنفسه أهل الإجرام منهم .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( ثم أورثنا الكتاب ) إلى قوله ( الفضل الكبير ) هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورثهم الله كل كتاب أنزله ; فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا الحكم بن بشير قال : ثنا عمرو بن قيس ، عن عبد الله بن عيسى ، عن يزيد بن الحارث ، عن شقيق ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة ; ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول : ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى ، فتقول الملائكة : هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك ، فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي ، وتلا عبد الله هذه الآية ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) .

[ ص: 466 ] حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا يزيد بن زريع قال : ثنا عون قال : ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : ثنا كعب الأحبار أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، والمقتصد ، والسابق بالخيرات كلهم في الجنة ، ألم تر أن الله قال ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) إلى قوله ( كل كفور ) .

حدثني علي بن سعيد الكندي قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن عوف ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : سمعت كعبا يقول : ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) قال : كلهم في الجنة ، وتلا هذه الآية ( جنات عدن يدخلونها ) .

حدثنا الحسن بن عرفة قال : ثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن عوف بن أبي جبلة قال : ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : ثنا كعب أن الظالم من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة ، ألم تر أن الله قال ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) إلى قوله ( لغوب ) والذين كفروا لهم نار جهنم قال : قال كعب : فهؤلاء أهل النار .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن عوف قال : سمعت عبد الله بن الحارث يقول : قال كعب : إن الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات من هذه الأمة كلهم في الجنة ، ألم تر أن الله يقول ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) حتى بلغ قوله ( جنات عدن يدخلونها ) .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا حميد ، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث ، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبا عن قوله تعالى ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) إلى قوله ( بإذن الله ) فقال : تماست مناكبهم ورب الكعبة ثم أعطوا الفضل بأعمالهم .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا الحكم بن بشير قال : ثنا عمرو بن قيس ، عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ) قال : [ ص: 467 ] قال أبو إسحاق : أما ما سمعت منذ ستين سنة ، فكلهم ناج .

قال : ثنا عمرو ، عن محمد بن الحنفية قال : إنها أمة مرحومة ، الظالم مغفور له ، والمقتصد في الجنات عند الله ، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله .

وقال آخرون : الكتاب الذي أورث هؤلاء القوم هو شهادة أن لا إله إلا الله ، والمصطفون هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والظالم لنفسه منهم هو المنافق ، وهو في النار ، والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال : ثنا الفضل بن موسى ، عن حسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة ، عن عبد الله ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) قال : اثنان في الجنة وواحد في النار .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) إلى آخر الآية قال : جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل ، كقوله ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون ) فهم على هذا المثال .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة ، ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ) الآية قال : الاثنان في الجنة وواحد في النار ، وهي بمنزلة التي في الواقعة ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون ) .

حدثنا سهل بن موسى قال : ثنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ) قال : هم أصحاب المشأمة ( ومنهم مقتصد ) قال : هم أصحاب الميمنة ( ومنهم سابق بالخيرات ) قال : هم السابقون من الناس كلهم .

[ ص: 468 ] حدثنا الحسن بن عرفة قال : ثنا مروان بن معاوية قال : قال عوف : قال الحسن : أما الظالم لنفسه فإنه هو المنافق ، سقط هذا وأما المقتصد والسابق بالخيرات فهما صاحبا الجنة .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن عوف قال : قال الحسن : الظالم لنفسه المنافق .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) شهادة أن لا إله إلا الله ( فمنهم ظالم لنفسه ) هذا المنافق في قول قتادة ، والحسن ( ومنهم مقتصد ) قال : هذا صاحب اليمين ( ومنهم سابق بالخيرات ) قال : هذا المقرب ، قال قتادة : كان الناس ثلاث منازل في الدنيا ، وثلاث منازل عند الموت ، وثلاث منازل في الآخرة ; أما الدنيا فكانوا : مؤمن ومنافق ومشرك ، وأما عند الموت فإن الله قال ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ) وأما في الآخرة فكانوا أزواجا ثلاثة ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون ) .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ) قال : هم أصحاب المشأمة ( ومنهم مقتصد ) قال : أصحاب الميمنة ( ومنهم سابق بالخيرات ) قال : فهم السابقون من الناس كلهم .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن [ ص: 469 ] مجاهد ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ) قال : سقط هذا ( ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) قال : سبق هذا بالخيرات وهذا مقتصد على أثره .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب تأويل من قال : عنى بقوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) الكتب التي أنزلت من قبل الفرقان .

فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يتلون غير كتابهم ، ولا يعملون إلا بما فيه من الأحكام والشرائع؟ قيل : إن معنى ذلك على غير الذي ذهبت إليه وإنما معناه : ثم أورثنا الإيمان بالكتاب الذين اصطفينا ; فمنهم مؤمنون بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به ; لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان ، فإنه يأمر بالعمل بالفرقان عند نزوله ، وباتباع من جاء به ، وذلك عمل من أقر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به وعمل بما دعاه إليه بما فى القرآن ، وبما في غيره من الكتب التي أنزلت قبله .

وإنما قيل : عنى بقوله ( ثم أورثنا الكتاب ) الكتب التي ذكرنا ; لأن الله - جل ثناؤه - قال لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه ) ثم أتبع ذلك قوله ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ) فكان معلوما إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين ، ولم تكن أمة على عهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته أن ذلك معناه : وإذ كان ذلك كذلك فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته ، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر ، وذلك أن الله - تعالى ذكره - أتبع هذه الآية قوله ( جنات عدن يدخلونها ) فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة .

فإن قال قائل : فإن قوله ( يدخلونها ) إنما عنى به المقتصد والسابق! [ ص: 470 ] قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؟ قيل : إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى ذكره - أنهم يدخلون جنات عدن ، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا ، وظلمه نفسه فيها بالنار أو بما شاء من عقابه ، ثم يدخله الجنة ، فيكون ممن عمه خبر الله - جل ثناؤه - بقوله ( جنات عدن يدخلونها ) .

وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار وإن كان في أسانيدها نظر مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت .

ذكر الرواية الواردة بذلك :

حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا أبو أحمد الزبيري قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش قال : ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد ، فجلس إلى جنب أبي الدرداء ، فقال : اللهم آنس وحشتي وارحم غربتي ويسر لي جليسا صالحا ، فقال أبو الدرداء : لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك ، سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أحدث به منذ سمعته ذكر هذه الآية ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) .

حدثنا ابن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة ، عن الوليد بن المغيرة ، أنه سمع رجلا من ثقيف حدث عن رجل من كنانة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) قال [ ص: 471 ] : " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة " . وعنى بقوله ( الذين اصطفينا من عبادنا ) الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبيناهم ، وقوله ( فمنهم ظالم لنفسه ) يقول : فمن هؤلاء الذين اصطفينا من عبادنا من يظلم نفسه بركوبه المآثم واجترامه المعاصي واقترافه الفواحش ( ومنهم مقتصد ) وهو غير المبالغ في طاعة ربه ، وغير المجتهد فيما ألزمه من خدمة ربه حتى يكون عمله في ذلك قصدا ( ومنهم سابق بالخيرات ) وهو المبرز الذي قد تقدم المجتهدين في خدمة ربه وأداء ما لزمه من فرائضه ، فسبقهم بصالح الأعمال وهي الخيرات التي قال الله - جل ثناؤه - ( بإذن الله ) يقول : بتوفيق الله إياه لذلك .

وقوله ( ذلك هو الفضل الكبير ) يقول - تعالى ذكره - : سبق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله ، هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقتصرا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث