الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا "

القول في تأويل قوله تعالى : ( جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ( 33 ) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ( 34 ) )

يقول - تعالى ذكره - : بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب ، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب ( ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) يقول : ولباسهم في الجنة حرير .

وقوله ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) اختلف أهل التأويل في الحزن الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم ; فقال بعضهم : ذلك [ ص: 472 ] الحزن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار إذ كانوا خائفين أن يدخلوها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي قال : ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي قال : ثنا أبي ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس في قوله ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) قال : حزن النار .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) قال : إن المؤمنين قوم ذلل ، ذلت والله الأسماع والأبصار والجوارح ، حتى يحسبهم الجاهل مرضى ، وما بالقوم مرض ، وإنهم لأصحة القلوب ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم ، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة ، فقالوا ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) والحزن ، والله ما حزنهم حزن الدنيا ، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة ، أبكاهم الخوف من النار ، وأنه من لا يتعز بعزاء الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات ، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه .

وقال آخرون : عني به الموت .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية في قوله ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) قال : الموت .

وقال آخرون : عني به حزن الخبز .

[ ص: 473 ] ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب عن حفص يعني ابن حميد ، عن شمر قال : لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) قال : حزن الخبز .

وقال آخرون . عنى بذلك : الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) قال : كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف ، أو يحزنون .

وقال آخرون : بل عنى بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو أحمد قال : ثنا سفيان عن الأعمش قال : ذكر أبو ثابت أن أبا الدرداء قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) " .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله - تعالى ذكره - أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) وخوف دخول النار من الحزن ، والجزع من الموت من الحزن ، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن . ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعا دون نوع ، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنواع الحزن بقولهم ذلك ، وكذلك ذلك ; لأن من دخل الجنة فلا حزن [ ص: 474 ] عليه بعد ذلك ، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن .

وقوله ( إن ربنا لغفور شكور ) يقول - تعالى ذكره - مخبرا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة : إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم ، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها ، شكور لهم على طاعتهم إياه ، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( إن ربنا لغفور شكور ) لحسناتهم .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب ، عن حفص ، عن شمر ( إن ربنا لغفور شكور ) غفر لهم ما كان من ذنب ، وشكر لهم ما كان منهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث