الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

4526 (60) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر

[ 2386 ] عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الخلاء، فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال : "من وضع هذا ؟" قالوا : ابن عباس. قال : " اللهم فقهه" .

رواه أحمد (1 \ 327) ، والبخاري (143) ومسلم (2477).

التالي السابق


(60) ومن باب : فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

ابن عبد المطلب بن هاشم ، يكنى أبا العباس ، ولد بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين . واختلف في سنه يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقيل : عشر سنين ، وقيل : خمس عشرة - رواه سعيد بن جبير عنه ، وقيل : كان ابن ثلاث عشرة سنة ، وقال ابن عباس : إنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام ، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير لأنه أخرجه من مكة ، وتوفي ابن عباس وهو ابن سبعين سنة ، وقيل : ابن إحدى وسبعين ، وقيل : ابن أربع وسبعين - وصلى عليه محمد ابن الحنفية ، وقال : اليوم مات رباني هذه الأمة ! وضرب على قبره فسطاطا ، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال : رأيت جبريل عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرتين ، ودعا لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحكمة مرتين . وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فيه : نعم ترجمان القرآن ابن عباس ! وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول : فتى الكهول ، لسان سؤول ، وقلب عقول . وقال مسروق : كنت إذا رأيت ابن عباس قلت : أجمل الناس ! وإذا تكلم قلت : أفصح الناس ! وإذا تحدث قلت : أعلم الناس ! وكان يسمى البحر لغزارة علمه ، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه ، وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقربه ويدنيه لجودة فهمه [ ص: 406 ] وحسن تأتيه ، وجملة ما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألف حديث وستمائة وستون ، أخرج له في الصحيحين مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثا .

و (قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم فقهه ") ، هنا انتهى حديث مسلم ، وقال البخاري : " اللهم فقهه في الدين " ، وفي رواية قال : ضمني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : " اللهم علمه الكتاب " ، قال أبو عمر : وفي بعض الروايات " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " . قال : وفي حديث آخر " اللهم بارك فيه وانشر منه ، واجعله من عبادك الصالحين " ، وفي حديث آخر : " اللهم زده علما وفقها " . قال : وكلها حديث صحيح .

قلت : وقد ظهرت عليه بركات هذه الدعوات فاشتهرت علومه وفضائله ، وعمت خيراته وفواضله ، فارتحل طلاب العلم إليه ، وازدحموا عليه ، ورجعوا عند اختلافهم لقوله ، وعولوا على نظره ورأيه . قال يزيد بن الأصم : خرج معاوية حاجا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس ؛ الحلال ، والحرام ، والعربية ، والأنساب ، والشعر . وقال عبيد الله بن عبد الله : ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنة ولا أجل رأيا ولا أثقب نظرا من ابن عباس [ ص: 407 ] رضي الله عنه .

ولقد كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين ، وكان قد عمي في آخر عمره ، فأنشد في ذلك :


إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور     قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل
وفي فمي صارم كالسيف مأثور



وروي أن طائرا أبيض خرج من قبره ، فتأولوه علمه خرج إلى الناس ، ويقال : بل دخل قبره طائر أبيض ، فقيل : إنه بصره في التأويل . وقال أبو الزبير : مات ابن عباس بالطائف ، فجاء طائر أبيض فدخل في نعشه حين حمل ، فما رؤي خارجا منه ! وفضائله أكثر من أن تحصى .

وأما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما - ويكنى أبا عبد الرحمن - فإنه أسلم صغيرا لم يبلغ الحلم مع أبيه ، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه ، وأول مشاهده الخندق ، لم يشهد بدرا ولا أحدا لصغره ؛ فإنه عرض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ، وأجازه يوم الخندق ، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى . وشهد الحديبية ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه أول من بايع ، وكان من أهل العلم والورع ، وكان كثير الاتباع لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه ، وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان بعد موته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مولعا بالحج ، وكان من أعلم الناس بمناسكه ، وكان قد أشكلت عليه حروب علي لورعه فقعد عنه ، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة ، روي عنه من أوجه أنه قال : " ما آسى على شيء فاتني إلا تركي لقتال الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه " .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : " ما منا أحد إلا مالت له الدنيا ومال إليها ما خلا عمر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث