الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم

[ ص: 330 ] أمر الله - تعالى - فيما قبل هاتين الآيتين من أوائل السورة بإعطاء اليتامى والنساء أموالهم إلا من كان سفيها لا يحسن تثمير المال ولا حفظه ، فيثمره له الولي ويحفظه له إلى أن يرشد ، ونهى عن أكل أموالهم وأبطل ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريثهم . فناسب بعد هذا أن يبين أحكام الميراث وفرائضه ، فكان بيانه في هاتين ، وآية في آخر السورة ، فهذه هي الفرائض التي جرى عليها العمل بعد نزولها فبطل بها ، وبقوله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ 8 : 75 ] ما كان من نظام التوارث في الجاهلية ، وفي أول الإسلام .

أما الجاهلية فكانت أسباب الإرث عندها ثلاثة :

أحدها : النسب ، وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ، ويقاتلون الأعداء ، ويأخذون الغنائم ليس للضعيفين : الطفل والمرأة منه شيء .

ثانيها : التبني ، فقد كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه ، ويكون له غير ذلك من أحكام الدين الصحيح ، وقد أبطل الله التبني بآيات من سورة الأحزاب ، ونفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بذلك العمل الشاق ، وهو التزوج بمطلقة زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه قبل الإسلام .

ثالثها : الحلف والعهد ، كان الرجل يقول للرجل : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني ، وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك . فإذا تعاهدا على ذلك فمات أحدهما قبل الآخر كان للحي ما اشترط من مال الميت ، وقيل : إن هذا لم يبطل إلا بآيات الميراث .

وأما الإسلام فقد جعل التوارث أولا بالهجرة ، والمؤاخاة ، فكان المهاجر يرث المهاجر البعيد ، ولا يرثه غير المهاجر وإن كان قريبا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤاخي بين الرجلين فيرث أحدهما الآخر ، وقد نسخ هذا ، وذاك ، واستقر الأمر عند جميع المسلمين بعد نزول أحكام الفرائض أن أسباب الإرث ثلاثة : النسب ، والصهر ، والولاء ، وحكمة ما كان في أول الإسلام ظاهرة ; فإن ذوي القربى ، والرحم للمسلمين كان أكثرهم مشركين ، وكان المسلمون لقلتهم وفقرهم محتاجين إلى التناصر ، والتكافل بينهم ، ولاسيما المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم ، وترك ذو المال منهم فيها .

وذهب كثير من العلماء إلى أن الوصية للوالدين ، والأقربين قد نسخت أيضا بآيات الميراث ، ولكنك ترى أن هاتين الآيتين المفصلتين لأحكام الإرث قد جعلتا الوصية مقدمة على الإرث ، وأكدت ذلك بتكراره عند كل نوع من أنواع الفرائض فيها ، وترى أن الوصية للوالدين ، والأقربين في سورة البقرة تأكيد ينافي النسخ ، وتقدم ذلك في سورة البقرة - راجع تفسير كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت [ 2 : 180 ] الآيات [ ص: 331 ] [ في ص108 - وما بعدها ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ] وقد ذكر ذلك الأستاذ الإمام في الدرس ، وأعاد ما قاله في تفسير تلك الآية فتركنا إعادته استغناء عنه بالإحالة عليه في محله .

أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والبيهقي في سننه ، وغيرهم من حديث جابر قال : " جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله : هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا ، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال . فقال : يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث يوصيكم الله في أولادكم الآية ، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما فقال : أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، قال الترمذي : ولا يعرف إلا من حديثه قال العلماء : وهذه أول تركة قسمت في الإسلام .

قال الأستاذ الإمام : الخطاب في الآية عام موجه إلى جميع المكلفين في الأمة ; لأنهم هم الذين يقسمون التركة وينفذون الوصية ، ولتكافل الأمة في الأمور العامة . وقال غيره : إن الآية ، وما بعدها تفصيل للإجمال في قوله : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية . وقالوا : إنه يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولا حجة لهم فيها على هذا القول ; إذ الظاهر أنها نزلت هي وما قبلها - ومنها تلك الآية المجملة - في وقت واحد .

وما ذكر في سبب النزول لا يدل على التراخي ، والتأخير عن وقت الحاجة . ويجوز على فرض التأخير ، والتراخي أن تكون الآية الأولى أبطلت هضم حق المرأة والطفل لما فيه من الظلم والقسوة . ولم يكن المسلمون وقت نزولها قد كثروا وكثر أقاربهم منهم ، واستعدوا بذلك لنسخ أسباب الإرث الأولى الموقتة بأسباب الإرث الدائمة فلما استعدوا لذلك نزل التفصيل بعد غزوة أحد كما في رواية جابر .

يوصيكم الله من الإيصاء والاسم الوصية ، وهي كما أفهم من ذوق اللغة ، واستعمال أهلها في القديم والحديث أنها : ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل القريب أو البعيد ، يقولون : يسافر فلان إلى بلد كذا ، وأوصيته ، أو وصيته بأن يحضر لي معه كذا ، ويقولون : وصيت المعلم بأن يراقب آداب الصبي ويؤدبه على ما يسيء به ، ولكنهم لا يقولون في طلب الشيء الحاضر ، أو العمل أوصيت ، ولا وصيت . وما كنت أظن أن هذا الحرف يحتاج إلى تفسير لولا أنني رأيت الرازي ينقل عن القفال : أن الإيصاء بمعنى الإيصال ، يقال وصى يصي من الثلاثي [ ص: 332 ] بمعنى وصل يصل ، وأوصى يوصي بمعنى أوصل يوصل ، وأن معنى الجملة في الآية يوصلكم الله إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم . وعن الزجاج أن معناها يفرض عليكم . ثم رجعت إلى الراغب فرأيته يقول : الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ ، من قولهم : أرض واصية متصلة النبات ، وهذا أظهر من القولين قبله ، ولكنه لم يرجعني عن فهمي الأول .

في أولادكم أي في شأن أولادكم من بعدكم ، أو ميراثهم ، وما يستحقونه مما تتركونه من أموالكم ، سواء أكانوا ذكورا أم إناثا كبارا أم صغارا : واختلف العلماء في أولاد الأولاد ، فقالت الشافعية : إنهم يدخلون في مفهوم الأولاد مجازا لا حقيقة ، وقالت الحنفية : إن لفظ الأولاد يتناولهم حقيقة إذا لم يكن للميت أولاد من صلبه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في قيام أولاد البنين مقام والديهم عند فقدهم وعدم إرثهم مع وجودهم لأن النسب للذكور كما قال الشعر :


بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد



وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن ابن بنته فاطمة - رضي الله عنهم - : ابني هذا سيد - كما في الصحيح - مبني على خصوصيته في جعل ذريته من بنته ، أو من صلب علي كما ورد في حديث آخر . وأما الخنثى فينظر في علامات الذكورة والأنوثة فيه ، فأيهما رجح حكم به . والمرجع في ذلك للأطباء الثقات العارفين .

ونقل القرطبي الإجماع على أن الترجيح يعرف بالبول ، فالعضو الذي يبول منه هو الذي يرجح ذكورته أو أنوثته .

للذكر مثل حظ الأنثيين استئناف لبيان الوصية في إرث الأولاد ، وقدمه لأنه الأهم في بابه - كما سيأتي بيانه - أي للذكر منهم مثل نصيب اثنتين من إناثهم إذا كانوا ذكورا وإناثا . قال الأستاذ الإمام : جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ، واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء كما تقدم ، فكأنه جعل إرث الأنثى مقررا معروفا ، وأخبر أن للذكر مثله مرتين ، أو جعله هو الأصل في التشريع ، وجعل إرث الذكر محمولا عليه يعرف بالإضافة إليه ، ولولا ذلك لقال : للأنثى نصف حظ الذكر ، وإذا لا يفيد هذا المعنى ، ولا يلتئم السياق بعده كما ترى ; أقول : ويؤيد هذا ما تراه في بقية الفرائض في الآيتين من تقديم بيان ما للإناث بالمنطوق الصريح مطلقا ، أو مع مقابلته بما للذكور كما ترى في فرائض الوالدين ، والأخوات ، والإخوة ، وليس عندنا في هاتين الآيتين في الفرائض شيء عن الأستاذ الإمام غير بيان هذه النكتة ، وما تقدم من نكتة الخطاب في مجموع الأمة .

والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على [ ص: 333 ] نفسه ، وعلى زوجه ، فكان له سهمان ، وأما الأنثى فهي تنفق على نفسها ، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها ، وبهذا الاعتبار يكون نصيب الأنثى من الإرث أكثر من نصيب الذكر في بعض الحالات بالنسبة إلى نفقاتهما .

وما ذكره بعض المفسرين في بيان الحكمة من نقص عقولهن ، وغلبة شهوتهن المفضية إلى الإنفاق في الوجوه المنكرة فهو قول منكر شنيع ، وضعف عقولهن لا يقتضي نقص نصيبهن ، بل ربما يقال : إنه يقتضي زيادته كضعف أبدانهن لقلة حيلتهن في الكسب وعجزهن عن الكثير منه ; ولذلك روي عن بعض السلف أن الميراث جاء على خلاف القياس المعقول ، وما أرى الرواية صحيحة ، كما أن معناها غير صحيح ; لما علمت من الحكمة التي بيناها . وأما ما يزعمون من كون شهوتهن أقوى من شهوة الرجال ، وما بنوه عليه من إفضائه إلى كثرة إنفاق المال فهو باطل بني على باطل ، وإننا نعلم بالاختيار أن الرجال هم الذين ينفقون الكثير من أموالهم في سبيل إرضاء شهواتهم ، وقلما نسمع أن امرأة أنفقت شيئا من مالها في مثل ذلك فهن يأخذن ولا يعطين ، والرجال هم الذين يبذلون لأنهم أقوى شهوة ، وأشد ضراوة ، نعم إن النساء يملن إلى الإسراف في الزينة وهي تستلزم نفقات كثيرة ، والشرع ينهى عن الإسراف فلا تكون أحكامه مبنية عليه ، ولكن علم بالاختبار أنهن كثيرا ما يرجحن الاقتصاد إذا كان أمر النفقة موكولا إليهن ; فإن كانت من الوالد ، أو الزوج فلا يكاد إسرافهن يقف عند حد ، ولهذا نرى بعض الرجال المقتصدين يكلون أمر النفقة في بيوتهم إلى أزواجهم فتقل النفقة ويتوفر منها ما لم يكن يتوفر من قبل .

قال المفسرون : ويدخل في عموم الأولاد من كان منهم كافرا ، ويخرج بالسنة إذ تبين فيها أن اختلاف الدين مانع من الإرث ، وهو ما عليه عمل المسلمين من الصدر الأول إلى الآن ، وقد يقال : إن الكافر لا يدخل في هذا العموم لما علم من أن كفره قطع الصلة بينه وبين والده المؤمن كما علم من سورة هود المكية ، قال - تعالى - : ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم [ 11 : 45 ، 46 ] فقد أخرج من أهله بكفره على الوجه المشهور في الآية . فالمراد بالأولاد المؤمنون كما أن المخاطبين بها هم المؤمنون ، أو يقال : إن لفظ أولادكم من العام الذي أريد به الخصوص ابتداء ، لا من العام الذي خصصته السنة .

وقالوا : إنه يدخل في عمومها القاتل عمدا لأحد أبويه ، ويخرج بالسنة والإجماع . وأقول : إن حرمانه من الإرث عقوبة مالية فيجوز أن يثبت بالسنة أو الإجماع أن يعاقب أي مذنب بعقوبة مالية ، أو بدنية كما هو معهود في جميع شرائع الأمم ، أي أنه لا مانع منه عقلا ولا قبح [ ص: 334 ] فيه . فمنعه من الميراث هو فرع استحقاقه له فهو لا ينافي القرآن ، وإذا قيل : إنه ليس من باب التخصيص لعمومه لم يكن بعيدا ; إذ يقال : إن له حقه من الإرث بنص الآية ، ثم إن الشريعة عاقبته على قتله لوالده بحرمانه من حقه في تركته ليرتدع أمثاله ، وتسد ذريعة الفساد على الأشرار الطامعين الذين يستعجلون التمتع بما في أيدي والديهم فيقتلونهم لأجل ذلك ، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .

ويدخل فيه الرقيق أيضا ، والرق مانع من الإرث بالإجماع ، لأن المملوك لا يملك ، بل كل ما يصل إلى يده من المال يكون لسيده ، ومالكه ، فلو أعطيناه من التركة شيئا لكنا معطين ذلك لسيده فيكون السيد هو الوارث بالفعل ، ولما كان الرق عارضا ، وخلاف الأصل ، ومرغوبا عنه في الشرع جعل كأنه غير موجود ، فهو بهذا الاعتبار لا ينافي عموم الآية ، وإطلاقها ، ولا تعد منافاته للإرث خروجا من حكمها .

وأما الميراث من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد قيل : إنه لا يدخل في عموم الآية ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يدخل في العموم الوارد على لسانه سواء كان من كلامه ، أو من كلام الله - عز وجل - المأمور هو بتبليغه ، وقيل : إنه يدخل فيه ، وإنه استثني من هذا العموم بحديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث وفي المسألة خلاف الشيعة ، وقد فصل القول فيه السيد الألوسي في روح المعاني فرأينا أن ننقل كلامه فيه بنصه قال :

" واستثني من العموم الميراث من النبي - صلى الله عليه وسلم - بناء على القول بدخوله - صلى الله عليه وسلم - في العمومات الواردة على لسانه - عليه الصلاة والسلام - المتناولة له لغة ، والدليل على الاستثناء قوله - صلى الله عليه وسلم - : نحن معاشر الأنبياء لا نورث وأخذ الشيعة بالعموم ، وعدم الاستثناء ، وطعنوا بذلك على أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - حيث لم يورث الزهراء - رضي الله تعالى عنها - من تركة أبيها - صلى الله عليه وسلم - حتى قالت له بزعمهم : يا ابن أبي قحافة ، أنت ترث أباك ، وأنا لا أرث أبي ، أي إنصاف هذا ! ؟ وقالوا : إن الخبر لم يروه غيره ، وبتسليم أنه رواه غيره أيضا فهو غير متواتر بل آحاد ، ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ، ولا نفقة لما كان مخصصا لقوله تعالى : أسكنوهن [ 65 : 6 ] فقال : " كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - بقول امرأة ؟ " فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ، ولم يرده ، ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعا من قبوله ، وأيضا العام وهو الكتاب قطعي ، والخاص وهو خبر الآحاد ظني ، فيلزم ترك القطعي بالظني ، وقالوا أيضا : إن مما يدل على كذب الخبر قوله - تعالى - : وورث سليمان داود [ 27 : 16 ] وقوله - سبحانه - حكاية عن زكريا - عليه السلام - : [ ص: 335 ] فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب [ 19 : 5 ، 6 ] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون .

" والجواب : أن هذا الخبر قد رواه أيضا حذيفة بن اليمان ، والزبير بن العوام ، وأبو الدرداء ، وأبو هريرة ، والعباس ، وعلي ، وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وقد أخرج البخاري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال بمحضر من الصحابة فيهم علي ، والعباس ، وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص : " أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ما تركناه صدقة ؟ قالوا : اللهم نعم ، ثم أقبل على علي ، والعباس ، فقال : أنشدكما بالله - تعالى - هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال ذلك ؟ قالا : اللهم نعم " .

فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - لا يلتفت إليه ، وفي كتب الشيعة ما يؤيده ، فقد روى الكليني في الكافي ، عن أبي البختري ، عن أبي عبد الله جعفر الصادق - رضي الله عنه - أنه قال : إن العلماء ورثة الأنبياء ، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ، ولا دينارا ، وإنما ورثوا أحاديث ، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر . وكلمة " إنما " مفيدة للحصر قطعا باعترافالشيعة ، فيعلم أن الأنبياء لا يورثون غير العلم ، والأحاديث . وقد ثبت أيضا بإجماع أهل السير ، والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من المعصومين عند الشيعة ، والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه ، فإن تركة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئا ، ولو كان الميراث جاريا في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعا .

" فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك ; لأن تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقا . وإن لم يثبت ، وبقي الخبر من الآحاد فنقول : إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح ، وبجوازه قال الأئمة الأربعة ، ويدل على جوازه أن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - خصصوا به من غير نكير ، فكان إجماعا . ومنه قوله - تعالى - : وأحل لكم ما وراء ذلكم [ 4 : 24 ] ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، فخض بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تنكحوا المرأة على عمتها ، ولا على خالتها والشيعة أيضا قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد ، فإنهم لا يورثون الزوجة من العقار ، ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف ، والمصحف ، والخاتم ، واللباس ، بدون بدل كما أشرنا إليه [ ص: 336 ] فيما مر . ويستندون في ذلك إلى أحاديث آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك ، والاحتجاج على عدم جواز التخصيص بخبر عمر - رضي الله عنه - مجاب عنه بأن عمر إنما رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها ، وكذبها ، ولذلك قال : بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت . فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد . وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة ; لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد ، فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك للظني بالظني .

" وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن ; لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة ، والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال .

" ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني ، عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود ، وأن محمدا ورث سليمان ; فإن وراثة المال بين نبينا - صلى الله عليه وسلم - وسليمان - عليه السلام - غير متصورة بوجه . وأيضا إن داود عليه السلام - على ما ذكره أهل التأريخ - كان له تسعة عشر ابنا ، وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم . فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان - عليه السلام - بها بخلاف وراثة العلم ، والنبوة .

وأيضا توصيف سليمان - عليه السلام - بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالا ، ولا يستدعي امتيازا ; لأن البر والفاجر يرث أباه ، فأي داع لذكر هذه الوراثة في بيان فضائل هذا النبي ومناقبه - عليه السلام - ! ؟ " ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضا ، أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة ; لأن المراد بآل يعقوب حينئذ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقيا غير مقسوم إلى عهد زكريا ، وبينهما نحو من ألفي سنة ، وهو كما ترى ! ! وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثا جميع بني إسرائيل أحياء وأمواتا ، وهذا أفحش من الأول ، وإن كان المراد بعض الأولاد ، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحاق - عليهما السلام - ، يقال : أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله - تعالى - بأنه يرث أباه ، ويرث بعض ذوي قرابته ؟ والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع ، مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد .

وأيضا ليس في الأنظار العالية ، وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني ، واتصلت بحظائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا - عليه السلام - ولدا ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه ، ويظهر لفوات ذلك [ ص: 337 ] الحزن والخوف ; فإن ذلك يقتضي صريحا كمال المحبة ، وتعلق القلب بالدنيا وما فيها ، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية ، وأيضا لا معنى لخوف زكريا - عليه السلام - من صرف بني أعمامه ماله بعد موته . أما إن كان الصرف في طاعة فظاهر ، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي فلا مؤاخذة على الميت ، ولا عتاب ، على أن دفع هذا الخوف كان متيسرا له بأن يصرفه ، ويتصدق به في سبيل الله - تعالى - قبل وفاته ويترك ورثته على أنقى من الراحة ، واحتمال موت الفجأة ، وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة ; لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم . فما مراد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوراثة إلا وراثة الكمالات النفسانية ، والعلم ، والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة ; فإنه - عليه السلام - خشي من أشرار بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإلهية ، والشرائع الربانية ، ولا يحفظوا علمه ، ولا يعملوا به ، ويكون ذلك سببا للفساد العظيم ، فطلب الولد ليجري أحكام الله - تعالى - بعده ، ويروج الشريعة ، ويكون محط رحال النبوة ، وذلك موجب لتضاعف الأجر واتصال الثواب ، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية ، والقلوب الطاهرة الزكية .

" فإن قيل الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة ، فما الضرورة هنا ؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب ، وأيضا لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصا بالمال ، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم ، والمال ، والمنصب صحيح . وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية ، سلمنا أنه مجاز ، ولكن هذا المجاز متعارف ، ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصا في استعمال القرآن المجيد ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ثم أورثنا الكتاب [ 35 : 32 ] و أورثوا الكتاب [ 42 : 14 ] إلى غير ما آية " .

" ومن الشيعة من أورد هنا بحثا : وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يورث أحدا فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن ؟ والجواب : أن ذلك مغالطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث ، بل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك ، وقد بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك لفاطمة ( رضي الله عنها ) وأسامة ، وسلمه إليهما ، وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصرف فيه تصرف المالك على عهده - عليه الصلاة والسلام - ، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن ( رضي الله عنه ) لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة الصديقة ( رضي الله عنها ) وسألها أن تعطيه موضعا للدفن في جوار جده المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ; فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان ، والسؤال معنى ، وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر ، حيث قال [ ص: 338 ] - سبحانه - : وقرن في بيوتكن [ 33 : 33 ] فأضاف البيوت إليهن ولم يقل : في بيوت الرسول .

" ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صار في حكم الوقف على جميع المسلمين ، فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير ( رضي الله عنه ) بسيف ، ودرع ، وبغلة شهباء تسمى الدلدل مع أن الأمير ( رضي الله عنه ) لم يرث النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه ، وقد صح أيضا أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ، ومحمد بن مسلمة بعضا من متروكاته - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما لم يعط ( رضي الله عنه ) فاطمة ( رضي الله عنها ) فدك مع أنها طلبتها إرثا ، وانحرف مزاج رضاها ( رضي الله عنها ) بالمنع إجماعا ، وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة ، وأتت بعلي ، والحسنين ، وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة ، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في الترجمة العبقرية ، والصولة الحيدرية ، وأطال فيه .

" وتحقيق الكلام في هذا المقام : أن أبا بكر ( رضي الله عنه ) خص آية المواريث بما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخبره - صلى الله عليه وسلم - في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة ، والعمل بسماعه واجب عليه سواء سمعه غيره أو لم يسمع .

" وقد أجمع أهل الأصول من أهل السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم يشاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق من شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع منه بلا واسطة ، فخبر " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " عند أبي بكر قطعي ; لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعبا منه ، والقطعي يخصص القطعي اتفاقا ، ولا تعارض بين هذا الخبر ، والآيات التي فيها نسبة الوراثة إلى الأنبياء - عليهم السلام - لما علمت .

" ودعوى الزهراء ( رضي الله عنها ) فدكا بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه ، وهو غير مخل بقدرها ، ورفعة شأنها ، ومزيد علمها ، وكذا أخذ الأزواج المطهرات حجراتهن لا يدل على ذلك لما مر وجلا ، وعدولها إلى دعوى الهبة غير متحقق عندنا ، بل المتحقق دعوى الإرث . ولئن سلمنا أنه وقع منها دعوى الهبة فلا نسلم أنها أتت بأولئك الأطهار شهودا ; وذلك لأن المجمع عليه أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ، ولم تكن فدك في قبضة الزهراء ( رضي الله عنها ) في وقت ، فلم تكن الحاجة ماسة لطلب الشهود ، ولئن سلمنا أن أولئك الأطهار شهدوا فلا نسلم أن الصديق رد شهادتهم بل لم يقض بها ، وفرق بين عدم القضاء هنا والرد ; فإن الثاني عبارة عن عدم القبول لتهمة كذب مثلا ، والأول عبارة عن عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبرة بعد العدالة ، وانحراف مزاج رضا الزهراء كان من مقتضيات البشرية . وقد [ ص: 339 ] غضب موسى - عليه السلام - على أخيه الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته ، ورأسه ، ولم ينقص ذلك من قدريهما شيئا ، على أن أبا بكر استرضاها ( رضي الله عنه ) مستشفعا إليها بعلي ( رضي الله عنه ) فرضيت عنه كما في مدراج النبوة ، وكتاب الوفاء ، وشرح المشكاة للدهلوي وغيرها .

" وفي محاج السالكين ، وغيره من كتب الإمامية المعتبرة ما يؤيد هذا الفصل حيث رووا أن أبا بكر لما رأى فاطمة - رضي الله تعالى عنها - انقبضت عنه ، وهجرته ، ولم تتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده ، فأراد استرضاءها ، فأتاها ، فقال : صدقت يا بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ادعيت ، ولكن رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسمها فيعطي الفقراء ، والمساكين ، وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم فما أنتم صانعون بها ؟ فقالت : أفعل فيها كما كان أبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل فيها ، فقال : لك الله - تعالى - أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك فقالت : والله لتفعلن ! فقال : والله لأفعلن ذلك . فقالت : اللهم اشهد ، ورضيت بذلك وأخذت العهد عليه . فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ، ويقسم الباقي بين الفقراء والمساكين ، وابن السبيل .

" وبقي الكلام في سبب عدم تمكينها - رضي الله تعالى عنها - من التصرف فيها ، وقد كان دفع الالتباس ، وسد باب الطلب المنجر إلى كسر كثير من القلوب ، أو تضييق الأمر على المسلمين ، وقد ورد " المؤمن إذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما " على أن رضا الزهراء - رضي الله تعالى عنها - بعد على الصديق سد باب الطعن عليه أصاب في المنع أم لم يصب ، وسبحان الموفق للصواب ، والعاصم أنبياءه عن الخطأ في فصل الخطاب " اهـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث