الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجوب تقديم محبة الرسول على محبة سائر الخلق

وجوب تقديم محبة الرسول على محبة سائر الخلق

وعن أنس - رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» متفق عليه .

قال في الترجمة : علامة الإيمان الكامل : أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب وأعظم من كل شيء ، ومن كل إنسان عند المؤمن ، حتى من الولد والوالد اللذين هما أحب إليه بحكم الطبيعة والجبلة ، ومن سائر الخلق الذي له علاقة محبة ومودة به ، سواء كان هذا التعلق جبليا ، أو اختياريا .

قال : والمحبة قسمان :

أحدهما : جبلي خارج عن حد اختيار العبد ، وينجذب إليه طبعا وجبلة بالاضطرار .

وهذا القسم خارج عن المبحث ، فإن الكلام في الإيمان الذي أتي تكليف الشرع في تحصيله وتكميله .

فالمراد بالمحبة هنا : المحبة التي فيها مدخل للاختيار ، ويجري فيها التكليف .

والمراد بالأحبية : ترجيح الجانب النبوي صلى الله عليه وسلم في أداء حقه ، بالتزام دينه ، واتباع سنته ، ورعاية أدب جنابه ، وإيثار رضائه على كل شيء ، وكل بشر ، وكل ما سواه من النفس ، والولد ، والوالد ، والأهل ، والمال ، والمنال ، والعيال .

وعلامة هذا : أن يرضى بهلاك نفسه ، وفقد كل محبوبه ، لا بفوات حقه صلى الله عليه وسلم كما كان حال الأصحاب الكمل .

ولم يذكر هنا النفس ، كما ذكرها في الدعاء بقوله : «اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومالي وولدي» ; لأن في محبة الولد والوالد مدخلا للاختيار .

[ ص: 110 ] بخلاف محبة النفس; فإن في تكليف الأمة بها وفي أحبيته شدة وحرجا ، فلم يكلف بذلك ، خلافا لمحبة الحق - جل وعلا - .

ولهذا ورد في بعض الروايات : «ومن الماء البارد للعطشان» ، ولا مدخل في هذا للاختيار أصلا وقطعا .

ويحتمل أن يكون راعى التدريج والترتيب ، في التعلم والتربية ، ليحصل أولا مرتبة الأحبية بالنسبة إلى الولد والوالد ، ثم يكلف بها بالنسبة إلى النفس كما في قصة عمر الفاروق - رضي الله عنه - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عمر : هل تحبني فقط ، أم تحب غيري أيضا؟» .

فقال : المحبة مشتركة ، أحبك وأحب نفسي وولدي ومالي ومنالي . فضرب صلى الله عليه وسلم يده على صدره ، وقال : «ماذا الحال الآن ، وكيف تجدك؟» . قال : سقطت محبة الأهل والمال ، ولكن محبة النفس باقية .

فضرب على صدره مرة أخرى ، وسأله ، فقال : سقطت محبة الجميع إلا محبتك يا رسول الله .

عمرم ، ممه صرف دردفايت بادا جان ودل و دين من فدايت بادا     محبوب من أزجان ودل وعمرتوئي
برجيز من خسته برايت بادا



ومنشأ المحبة ، وباعث الردة : إما حسن ، وإما إحسان .

وهاتان الصفتان على وجه الكمال والتمام منحصرتان في ذات سيد الكائنات من بين جميع المخلوقات .

فإنه صلى الله عليه وسلم أجمل الخلق ، وأكملهم .

وهما في الحقيقة مقصورتان على الذات الكاملة وصفات ذات واهب العطيات جل جلاله ، وعم نواله .

والنبي صلى الله عليه وسلم مرآة لجماله وكماله - عز وجل - .

[ ص: 111 ] فالأحبية سواء نسبت إلى حضرة العزة ، أو إلى جناب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، صحيحة ، وهما في الحقيقة واحدة .

بم حسن وجمال في نهايت داري     بم جود و كرم بحد غاية داري
بم حسن ترا مسلم ست ، بم إحسان     محبوب توئي كه ، يردوآيت داري



قال في «اللمعات» : لم يرد حب الطبع; لأن حب الإنسان نفسه وولده طبع مركوز غريزي ، خارج عن حد الاستطاعة .

بل أراد به حب الاختيار المستند إلى الإيمان ، الحاصل من الاعتقاد ، الذي حاصله ترجيح جانبه صلى الله عليه وسلم في أداء حقه; بالتزام دينه ، واتباع طريقه على كل من سواه . انتهى .

قلت : وهذا الحديث أدل دليل على إيثار الاتباع ، وترك الابتداع ، وفيه الإرشاد إلى تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل من سواه في كل شيء من الأشياء .

حال المقلدين تنطق بكذبهم في ادعاء محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم

فانظر في حال المقلدين المدعين للأحبية ، وهم عن تصديق دعواهم هذه على مراحل شاسعة; لفوات الاتباع الكامل منهم .

وكيف يتصور اجتماع حب الرسول وحب غيره من الأحبار والرهبان الفحول في قلب واحد؟ .

بل كيف يصح تقديم قول الغير وفعله ، واجتهاده ، وقياسه ، على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ .

فمن اتبع سنته حق الاتباع ، فهو المصداق لهذا الحديث ، ومن سلك الشعاب ، وشذ عن جماعة الأصحاب ، فهو في الحقيقة باغض له صلى الله عليه وسلم .

وادعاؤه لمحبته ، فضلا عن أحبته كذب واضح .

وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة في هذا الباب ، كلها تدل على هذا المقصود .

[ ص: 112 ] ويدل له قوله سبحانه : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، ومفهوم ذلك : أن من لا يتبع السنن ، لا يحب الله أيضا ، ولا يحب رسوله صلى الله عليه وسلم على اليقين .

اللهم اجعلنا من خدم السنة المطهرة ، واحفظنا من البدع المضلة .

وعنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه ، وجد بهن حلاوة الإيمان» هي استلذاذ الطاعات ، وتحمل المشاق في مرضاته تعالى ، ورضاء رسوله صلى الله عليه وسلم :

1- «من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . 2- ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله .

3- ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار»
متفق عليه .

فيه حث على إيثار حب الله ورسوله ، على حب كل من سواهما ، وبيان فضيلة الحب في الله وكراهة العود في الكفر .

وهل الإيمان إلا الحب والبغض لله وفي الله؟!! . ومن اتصف بهذه الصفات ، فقد صار مؤمنا كاملا . اللهم ارزقنا .

ولا ريب أن محبة الأمة السنية ، والجماعة الحديثية ، مع الصحب والعترة والأئمة الماضين ، والسلف الصالحين ، ومن المحدثين والمجتهدين ، مغمورة في حب الله وحب رسوله .

وتأتي بكل خير لصاحبها إذا كانت على الوجه الوارد ، ولا تكون خلاف الشرع مثل محبة الروافض أهل البيت ، ومحبة أهل البدع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومحبة أهل الشرك أصحاب القبور .

وظني أن من يحب الله ورسوله لا يقدم محبة أحد عليهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث