الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل : وأما صلاة الاستسقاء ) .

فظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال : " لا صلاة في الاستسقاء ، وإنما فيه الدعاء " وأراد بقوله لا صلاة في الاستسقاء الصلاة بجماعة أي لا صلاة فيه بجماعة بدليل ما روي عن أبي يوسف أنه قال : " سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو دعاء موقت أو خطبة ؟ فقال : أما الصلاة بجماعة فلا ، ولكن الدعاء والاستغفار ، وإن صلوا وحدانا فلا بأس به " ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، وقال محمد : " يصلي الإمام أو نائبه في الاستسقاء ركعتين بجماعة كما في الجمعة " ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي يوسف ، وذكر في بعض المواضع قوله مع قول أبي حنيفة ، وذكر الطحاوي قوله مع قول محمد وهو الأصح واحتجا بحديث ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بجماعة في الاستسقاء ركعتين } والمروي في حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه ركعتين كصلاة العيد } ، ولأبي حنيفة قوله تعالى { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } .

والمراد منه الاستغفار ، بدليل قوله { يرسل [ ص: 283 ] السماء عليكم مدرارا } أمر بالاستغفار في الاستسقاء فمن زاد عليه الصلاة فلا بد من دليل وكذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الروايات المشهورة أنه صلى في الاستسقاء فإنه روي أنه صلى الله عليه وسلم { صلى الجمعة فقام رجل فقال : يا رسول الله أجدبت الأرض وهلكت المواشي فاسق لنا الغيث فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء ودعا ، فما ضم يديه حتى مطرت السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله در أبي طالب لو كان في الأحياء لقرت عيناه فقال علي رضي الله عنه : تعني يا رسول الله قوله

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

فقال صلى الله عليه وسلم : أجل وفي بعض الروايات قام ذلك الأعرابي وأنشد فقال

أتيناك والعذراء يدمى لبانها     وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

وقال في آخره

وليس لنا إلا إليك فرارنا     وليس فرار الناس إلا إلى الرسل

فبكى النبي صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت لحيته الشريفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه إلى السماء وقال : اللهم اسقنا غيثا مغيثا عذبا طيبا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل فما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى صدره حتى مطرت السماء وجاء أهل البلد يصيحون الغرق الغرق يا رسول الله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فقال : اللهم حوالينا ولا علينا فانجابت السحابة حتى أحدقت بالمدينة كالإكليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه من ينشدنا قوله ؟ فقام علي رضي الله عنه وأنشد البيت المتقدم أولا
} وما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى وعن عمر رضي الله عنه أنه خرج إلى الاستسقاء ولم يصل بجماعة بل صعد المنبر واستغفر الله وما زاد عليه فقالوا ما استسقيت يا أمير المؤمنين ؟ فقال لقد استسقيت بمجاديح السماء التي بها يستنزل الغيث وتلا قوله تعالى { استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا } .

وروي أنه خرج بالعباس فأجلسه على المنبر ووقف بجنبه يدعو ويقول : اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك ودعا بدعاء طويل فما نزل عن المنبر حتى سقوا ، وعن علي أنه استسقى ولم يصل ، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بجماعة حديث شاذ ورد في محل الشهرة ; لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس ، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه ، أو وهمه على ضبطه فلا يكون مقبولا مع أن هذا مما تعم به البلوى في ديارهم ، وما تعم به البلوى ، ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث