الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دلالة حديث أبي ذر على أن المؤمن الفاسق إذا مات على كلمة التوحيد يدخل الجنة

دلالة حديث أبي ذر على أن المؤمن الفاسق إذا مات على كلمة التوحيد يدخل الجنة

وعن أبي ذر - رضي [الله] عنه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه ثوب أبيض ، وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : «ما من عبد قال : لا إله إلا الله ، ثم مات على ذلك» ; أي : استقام على معناه منذ قال إلى أن مات ، ولم يقل ما ينافيه ، ولم يعتقد ما يخالف «إلا دخل الجنة قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : «وإن زنى وإن سرق» ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : «وإن زنى وإن سرق» ، قلت : وإن زنى وإن سرق . ؟ قال : «وإن زنى وإن سرق» . تخصيصهما; لأن الذنب إما حق الله ، وهو الزنا ، أو حق العباد ، وهو أخذ مالهم خفية بغير حق ، وفي ذكرهما معنى الاستيعاب . أعاد أبو ذر السؤال استبعادا واستغرابا لهذا الحكم; ليتحققه ويثبته على الوجه الكامل . ويمكن أن التكرار كان من جهة كمال السرور برحمة الله الغفور ، وشكرا له سبحانه على هذه النعمة ، نعمة غفران ، مثل هذا العصيان «على رغم أنف أبي ذر» الرغم : مشتق من الرغام - بفتح الراء - ، وهو التراب ، ورغم الأنف : هو إلصاقه بالأرض . والمراد هنا : الذلة والانقياد مع الكراهة . قال السيد : يستعمل مجازا بمعنى : كره ، أو ذل .

وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث ، قال تفاخرا : «وإن رغم أنف أبي ذر» . متفق عليه .

قال في الترجمة : يقول أبو ذر ذلك; تذكارا لتلك الحالة ، وتأكيدا وتحقيقا لها ، والتذاذا بها :


كرد وشنام من آن محبوب جاني يكشبى عمر بكذشت ومنوزم لذت آن دردل ست



قال : هذا الحديث وأمثاله يدل على أن المؤمن وإن فسق ، وارتكب الكبيرة ، فإنه يدخل الجنة - إن شاء الله تعالى - إما بعفو الله ، ومغفرته ، وكرمه ، وفضله ، وإما بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعد التعذيب بولوج النار على قدر العصيان .

[ ص: 132 ] وأما حديث معاذ يرفعه : «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، صدقا من قلبه ، إلا حرمه الله على النار» .

فتأويله : أن الخلود فيها حرام له ، أو المراد بالنار : النار التي أعدت للكافرين .

وقال ابن المسيب : كان هذا الحكم قبل أن تنزل الفرائض ، وتفرض الأوامر والنواهي .

وقال الحسن : المراد : قول هذه الكلمة بأداء حقها وفريضتها .

وقال بعضهم : المراد : تحريمه عليها عند الندم والتوبة ، ثم مات عليها .

انتهى ما في الترجمة .

وأقول : يأبى هذه التأويلات آخر الحديث ، وهو قوله : قال معاذ : يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال : «إذا يتكلوا» ، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما . متفق عليه .

فهذا يفيد أن مجرد الشهادتين من صدق القلب وإخلاص النية يوجب حرمة النار على القائل بها .

ولكن هذا عسير جدا ، إلا من يسر الله عليه; لأن الصدق والإخلاص في أكثر الناس مفقودان .

وليس في هذا أن المعاصي لا تضر; لأن عدم الصدق معصية عظيمة ، وعدم الإخلاص يجر إلى الشرك ، فلا ينفع القول بها بمجرد اللسان ، إذا لم يكن معه تصديق القلب وإخلاص الجنان .

نعم ، من أتى بها مخلصا ، وصدرت منه الذنوب ، فإن عوقب عليها في الدنيا ، فقد صار مطهرا ، وإن لم يعاقب عليها ، وبقيت مستورة ، فهو في مشيئة الله تعالى .

والله لا يهتك - إن شاء الله تعالى - ما قد ستره في الدنيا . فرحمته أوسع من ذنوبنا ، ومغفرته أرجى عندنا من أعمالنا . والله أعلم .

[ ص: 133 ] قال في الترجمة : مذهب أهل السنة والجماعة : أن الفاسق مؤمن ، ومآل المؤمن - آخرا - الجنة .

والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة طيبة جدا ، وعليه إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين وكذلك اعتقاد الأمة قبل ظهور أهل البدعة من المعتزلة وغيرهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث