الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاس .

وترجمه بالحيض لأن أحكامه أغلب وهو مصدر حاضت حيضا ومحيضا ومحاضا ، وهو لغة : السيلان ، يقال حاض الوادي إذا سال ، وحاضت [ ص: 323 ] الشجرة إذا سال صمغها .

قال في الشرح الصغير : ويقال : إن الحوض منه لحيض الماء : أي سيلانه ، والعرب تدخل الواو على الياء وبالعكس لأنهما من حيز واحد وهو الهواء ا هـ .

وشرعا : دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة في أوقات مخصوصة .

وله عشرة أسماء : حيض ، وطمث بالمثلثة ، وضحك ، وإعصار ، وإكبار ، ودراس ، وعراك بالعين المهملة ، وفراك بالفاء ، وطمس بالسين المهملة ، ونفاس .

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة كما في الصحيحين " أنفست " .

قال في المجموع : ولا كراهة في تسميته بشيء منها ، والاستحاضة دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بالذال المعجمة ، وحكى ابن سيده إهمالها والجوهري مع إعجامها بدل اللام راء .

والنفاس : الدم الخارج بعد فراغ الرحم من الحمل ، فخرج بذلك دم الطلق ، والخارج مع الولد فليس بحيض لكونه من آثار الولادة ، ولا نفاس لتقدمه على خروج الولد بل هو دم فساد إلا أن يتصل بحيضها المتقدم فإنه يكون حيضا .

قال الجاحظ : والذي يحيض من الحيوان أربعة : الآدميات ، [ ص: 324 ] والأرنب ، والضبع ، والخفاش .

وزاد عليه غيره أربعة أخرى ، وهي : الناقة ، والكلبة ، والوزغة ، والحجر : أي الأنثى من الخيل ، والأصل في الحيض آية { ويسألونك عن المحيض } أي الحيض { قل هو أذى } وخبر الصحيحين عن عائشة قالت : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض هذا شيء كتبه الله على بنات آدم } ثم الكلام في الحيض يستدعي معرفة حكمه وسنه وقدره وقدر الطهر ، وقد شرع في بيانها مبتدئا بمعرفةسنه فقال ( أقل سنه تسع سنين ) ولو بالبلاد الباردة للوجود ، لأن ما ورد في الشرع ولا ضابط له شرعي ولا لغوي يتبع فيه الوجود كالقبض والحرز والإحياء وخيار المجلس .

قال إمامنا رضي الله عنها : أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين : أي قمرية لقوله تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس } [ ص: 325 ] والمعتبر في التسع التقريب لا التحديد كلبن الرضاع فيغتفر نقص زمن دون أقل حيض وطهر فيكون الدم المرئي فيه حيضا ، بخلاف المرئي في زمن يسعهما ولا حد لآخره كما قاله الماوردي ، بل هو ممكن ما دامت المرأة حية خلافا للمحاملي حيث ذهب إلى أن آخره ستون سنة ، ولا ينافيه تحديد سن اليأس باثنين وستين سنة لأنه باعتبار الغالب حتى لا يعتبر النقص عنه كما يأتي ثم ، وإمكان إنزالها كإمكان حيضها ، بخلاف إمكان إنزال الصبي لا بد فيه من تمام التاسعة ، والفرق حرارة طبع النساء كذا قيل ، والأقرب عدم الفرق .

نعم سيأتي في باب الحجر أن التسع في المني تحديد لا تقريب ، والتسع في كلامه ليست ظرفا بل خبرا ، فما قيل من أن قائل ذلك جعلها كلها ظرفا للحيض ولا قائل به ليس بشيء ، ولو رأت الدم أياما بعضها قبل زمن إمكانه وبعضها فيه جعل المرئي في زمن الإمكان حيضا إن توفرت شروطه الآتية .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

باب الحيض والحكمة في ذكر هذا الباب في آخر أبواب الطهارة أنه ليس من أنواع الطهارة ، بل الطهارة تترتب عليه وهو مخصوص بالنساء ( قوله : أغلب ) أي من أحكام النفاس وذلك لكثرة وقوع الحيض لا لزيادة أحكام الحيض في أنفسها على أحكام النفاس كما يعلم مما يأتي آخر الباب ، على أن أحكام الحيض بقطع النظر عما ذكره في هذا الباب أكثر ، إذ يتعلق به البلوغ والعدة والاستبراء وغيره .

فإن قلت : الحامل تنقضي عدتها بالحمل . قلنا ليست العدة منوطة بالنفاس بل بالوضع ، حتى لو ولدت ولدا جافا انقضت به العدة ( قوله مصدر حاضت ) هذا باعتبار اللغة لما يأتي من أنه شرعا دم جبلة إلخ ، وكما أن الحيض مصدر يستعمل أيضا اسما لزمان الحيض ولمكانه [ ص: 323 ] الذي هو الفرج ( قوله : ويقال إن الحوض منه ) أي من الحيض بمعناه اللغوي ( قوله : سيلانه ) أي إلى الحوض ( قوله : تدخل الواو ) أي تستعملها في موضع الياء ( قوله : من أقصى ) أي أعلى ( قوله رحم المرأة ) .

[ فائدة ] لو خلق للمرأة فرجان فينبغي أن يأتي فيه ما تقدم في النقض بمسهما من أنه إن تميز الأصلي من الزائد فالعبرة بخروجه من الأصلي ، وإن اشتبه الأصلي بالزائد فلا بد للحكم بأنه حيض من خروجه منهما ، وكانا أصليين فالخارج من كل منهما حيض ( قوله : بعد بلوغها ) لا حاجة إليه لأنه إنما يكون بعد البلوغ على أنه قد يكون الحيض محصلا للبلوغ فلا يكون بعده ( قوله : وله عشرة أسماء ) وقد نظمها الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في قوله :

أسامي المحيض العشر إن رمت حفظها مفصلة حيض نفاس وإكبار     وطمث وطمس ثم ضحك وبعدها
عراك فراك والدراس وإعصار

( قوله : أنفست ) هو بفتح النون وكسر الفاء في الأكثر ، وفي شرح البخاري لحج ما نصه : قال الخطابي : أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس فقالوا في الحيض نفست بفتح النون ، وفي الولادة بضمها ، قاله كثير من أئمة اللغة ، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي قال : يقال نفست المرأة في الحيض والولادة بضم النون فيهما ، وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها ا هـ .

وفي شرح البهجة الكبير لشيخ الإسلام ما نصه : ويقال في فعل النفاس نفست المرأة بضم النون وفتحها وبكسر الفاء فيهما ، والضم أفصح ، وفي فعل الحيض نفست بفتح النون وكسر الفاء لا غير ذكره في المجموع ( قوله : في أدنى الرحم ) ومن الطرق التي تعرف بها المرأة كون الخارج دم حيض أو استحاضة أن تأخذ من قام بها ما ذكر ماسورة مثلا وتضعها في فرجها ، فإن دخل الدم فيها فهو حيض ، وإن ظهر على جوانبها فهو استحاضة ، وهذه علامة ظنية فقط لا قطعية وإلا لم توجد لنا مستحاضة ( قوله : بعد فراغ الرحم من الحمل ) أي ولو علقة أو مضغة وقبل مضي خمسة عشر يوما كما يأتي ( قوله : مع الولد فليس بحيض ) أي أو بين توأمين فليس بنفاس بل حيض إن توفرت فيه شروطه ( قوله : إلا أن يتصل ) أي كل من الدم الخارج مع الطلق أو الولد فهو قيد فيهما ( قوله : قال الجاحظ إلخ ) والظاهر أن ذلك لا أثر له في الأحكام حتى لو علق بحيض شيء من المذكورات لم يقع وإن خرج [ ص: 324 ] منها دم مقدار أقل الحيض مثلا ، أما أولا فكون هذه المذكورات يقع لها الحيض ليس أمرا قطعيا وذكر الجاحظ أو غيره له لا يقتضي ثبوته في الواقع ولا القطع به ، وأما ثانيا فيجوز أن يكون حيض المذكورات في سن وعلى وجه مخصوص لا يتحقق بعد التعليق .

نعم إن أراد بحيضها مجرد خروج الدم منها اعتبر ا هـ سم على حج ( قوله : والخفاش ) بوزن العناب ا هـ مختار ( قوله والحجر ) بكسر الحاء الفرس الأنثى جمعها حجور وأحجار كما في المصباح وبلا هاء كما في المختار ، وفي القاموس أنه بالهاء لحن ( قوله خبر الصحيحين ) تقوية لما قبله .

( قوله : في الحيض ) أي في شأنه ( قوله : كتبه ) أي قدره ( قوله : على بنات آدم ) .

[ فائدة ] نقل البخاري عن بني إسرائيل : أول ما وقع الحيض فيهم ثم أبطله بقوله صلى الله عليه وسلم { إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم } وقيل أول من حاضت حواء بالمد لما كسرت شجرة الحنطة أدمتها ، فقال الله تبارك وتعالى { وعزتي وجلالي لأدمينك كما أدميت هذه الشجرة } انتهى .

دميري ، وجمع بينهما بأن الإضافة للجنس : أي جنس بنات آدم ، أو بحمل قصة بني إسرائيل على أن المعنى أنه أول ما فشا فيهم وحمل ما في قصة حواء على الأول الحقيقي .

لا يقال : يرد على ما ذكره في الحديث ما ذكره الشارح من الحيوانات التي تحيض لأنا نقول : ليس في الحديث حصر فالحكم بأنه كتبه على بنات آدم لا ينافي أنه كتبه على غيرهن أيضا ( قوله : معرفة حكمه ) إنما قدم الشارح هذا لأنه المقصود بالذات ، إذ معرفة الحيض إنما هي وسيلة لترتب أحكامه ، وقدم المصنف السن لأنه لا يمكن تصور الحيض بدونه ( قوله : أقل سنه تسع سنين ) أي وغالبه عشرون سنة أخذا مما ذكروه في عيوب الرقيق في باب الخيار وأكثره اثنتان وستون سنة ( قوله : للوجود ) أي الاستقراء ( قوله : يتبع فيه الوجود ) أي العرف وهذا صريح في تقدم اللغة على العرف ، والمصرح به في الأصول خلافه فيقدم الشرع ثم العرف ثم اللغة ، ثم رأيت ما يأتي لسم والجواب لنا عنه ( قوله : أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة ) فقوله من اسم موصول وسمعت صلته والعائد محذوف وسمعت بمعنى علمته ومن النساء متعلق بسمعت وجملة يحضن حال من النساء ، وقوله : نساء تهامة خبر المبتدإ وهو أعجل ( قوله : يحضن لتسع سنين ) جواب سؤال تقديره : ما سبب كونهن أعجل ( قوله : أي قمرية ) أي هلالية لأن السنة الهلالية ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدسه ، بخلاف العددية فإنها ثلثمائة وستون يوما والشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا جزءا من ثلاثمائة جزء من اليوم ا هـ شيخنا زيادي .

وعبارة عميرة في الهلالية : ثلثمائة وخمسة وخمسون وسدس يوم ا هـ [ ص: 325 ] قوله : أقل حيض وطهر ) أي وهو ستة عشر بلياليها حج ( قوله : ولا ينافيه ) أي قول الماوردي لا حد لآخره ( قوله : والأقرب عدم الفرق ) أي فيكون تقريبا فيهما كما نقله سم في حاشية حج وعبارته قوله : والأوجه أنه لا فرق إلخ : أي في اعتبار استكمال التسع التقريبي أخذا مما يأتي وقد اعتمد ذلك م ر ا هـ ، وعليه فالمعنى أن خروجه من الرجل قبل استكمال التسع بما لا يسع حيضا وطهرا للمرأة يقتضي الحكم ببلوغه ، لكن ما ذكره هنا من الاستدراك بقوله نعم سيأتي إلخ يخالفه وهو ساقط من بعض النسخ ولعله حاشية أدرجت ( قوله : تحديد ) أي في المني للرجل والمرأة ، ويظهر من كلامه حيث جزم به اعتماد أنه تحديدي فيقدم على ما نقله سم عنه هنا من أنه تقريبي ( قوله : جعلها كلها ) أي السنين التسع



حاشية المغربي

باب الحيض ( قوله : لأن أحكامه أغلب ) أي من حيث الوقوع وإلا فأحكام الاستحاضة أكثر كما لا يخفى [ ص: 323 ] قوله : ; لأنهما من حيز واحد ) أي في الجملة إذ لا يكونان من حيز واحد إلا إذا كانا حرفي مد ( قوله : على سبيل الصحة ) قد يقال : لا حاجة إليه للاستغناء عنه بقوله دم جبلة وبقوله أقصى رحم المرأة بل لا يظهر له معنى [ ص: 324 ] قوله : يتبع فيه الوجود ) انظر ما معنى الوجود بالنسبة للقبض وما بعده ، والمشهور يتبع فيه العرف ، وعبارة [ ص: 325 ] الإمداد : فرجع فيه إلى التعارف بالاستقراء ( قوله : فيغتفر نقص زمن ) راجع للدم واللبن وإن كان التفريع الآتي خاصا بالدم ووجهه في اللبن احتمال البلوغ ( قوله : ، والأقرب عدم الفرق ) أي فيكون تقريبا فيهما كما أفصح به الشهاب ابن قاسم في حواشي التحفة عن الشارح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث