الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا الآية .

أخرج البخاري، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في "سننه"، من طريق عكرمة، عن ابن عباس في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك .

[ ص: 286 ] وأخرج أبو داود من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك . أي : نهى عن ذلك .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، من طريق علي، عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وهي قوله : ولا تعضلوهن يعني : لا تقهروهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني : الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، من طريق عطاء، عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها، قال عطاء بن أبي رباح : وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم، فنزلت : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

[ ص: 287 ] وأخرج النسائي، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس، كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية .

وأخرج ابن جرير ، من طريق العوفي ، عن ابن عباس ، أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن أبي مالك قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا، فإن كان له ابن صغير أو [ ص: 288 ] أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت، فأنزل الله : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن سعد، وابن جرير ، عن الزهري في الآية قال : نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال : كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن قال : نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام، قال ابن المبارك : أن ترثوا النساء كرها في الجاهلية ولا تعضلوهن في [ ص: 289 ] الإسلام .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن أبي مالك في قوله : ولا تعضلوهن قال : لا تضر بامرأتك لتفتدي منك .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد : ولا تعضلوهن يعني أن ينكحن أزواجهن، كالعضل في سورة "البقرة" .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كان العضل في قريش بمكة؛ ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها .

وأخرج ابن جرير ، من طريق علي، عن ابن عباس في قوله : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية .

وأخرج ابن جرير عن مقسم : (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن) . في قراءة ابن مسعود ، وقال : إذا آذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ ص: 290 ] يقول : إلا أن ينشزن، وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب : (إلا أن يفحشن) .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : الفاحشة هنا النشوز .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن عطاء الخراساني في الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة : أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك الحدود .

وأخرج ابن جرير عن الحسن : إلا أن يأتين بفاحشة قال : الزنى، فإذا فعلت حل لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع .

وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة، وابن سيرين قالا : لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها؛ لأن الله يقول : إلا أن يأتين بفاحشة .

وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أيها الناس، إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، [ ص: 291 ] ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : وعاشروهن قال : خالطوهن، قال ابن جرير : صحفه بعض الرواة، وإنما هو : خالقوهن .

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق بالمعروف .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل : وعاشروهن بالمعروف يعني صحبتهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا، فيجعل الله له منها ولدا، ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس : ويجعل الله فيه خيرا كثيرا قال : الخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في الآية قال : فعسى الله أن يجعل في الكراهية خيرا كثيرا .

[ ص: 292 ] وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي : ويجعل الله فيه خيرا كثيرا قال : الولد .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : إذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام، فلا يعجل بطلاقها، وليتأن بها، وليصبر، فلعل الله سيريه منها ما يحب .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيرا كثيرا، قال : وكان الحسن يقول : عسى أن يطلقها فتزوج غيره فيجعل الله له فيها خيرا كثيرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث