الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

ثغر الأذن

ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل عليه ما يفسد عليكم الأمر ، فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الباطل ، فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه ، تخيروا له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب ، وامزجوه بما تهوى النفس مزجا .

وألقوا الكلمة فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها ، وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره ، وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو كلام النصحاء ، فإن غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء ، فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به ، إما بإدخال ضده عليه ، وإما بتهويل ذلك [ ص: 99 ] وتعظيمه وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها إليه ، وهو حمل يثقل عليها لا تستقل به ، ونحو ذلك ، وإما بإرخاصه على النفوس ، وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس ، وأعز عليهم ، وأغرب عندهم ، وزبونه القابلون له أكثر ، وأما الحق فهو مهجور ، وقائله معرض نفسه للعداوة ، والرابح بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك ، فتدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه ، وتخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه .

وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس ، كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول ، وتتبع عثرات الناس ، والتعرض من البلاء لما لا يطيق ، وإلقاء الفتن بين الناس ، ونحو ذلك ، ويخرجون اتباع السنة ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - في قالب التجسيم والتشبيه والتكييف ، ويسمون علو الله على خلقه واستواءه على عرشه ومباينته لمخلوقاته ، تحيزا ، ويسمون نزوله إلى سماء الدنيا ، وقوله : من يسألني فأعطيه ، تحركا وانتقالا ، ويسمون ما وصف به نفسه من اليد والوجه أعضاء وجوارح ، ويسمون ما يقوم به من أفعاله حوادث ، وما يقوم من صفاته أعراضا ، ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بهذه الأمور ، ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر ، أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تستلزم هذه الأمور ، ويخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم ، وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ويردونه بعينه بلفظ آخر ، قال الله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [ سورة الأنعام : 112 ] فسماه زخرفا ، وهو باطل ، لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع ، ويلقيه إلى سمع المغرور فيغتر به .

والمقصود : أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن ، أن يدخل فيها ما يضر العبد ولا ينفعه ، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه ، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث