الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما .

الكلام متصل بما قبله متمم لسياق وجوب طاعة الله ورسوله ، والتشنيع على من يرغب عن التحاكم إلى الرسول ويؤثر عليه التحاكم إلى الطاغوت ، وقال الأستاذ الإمام : بعد ما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله [ ص: 189 ] فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت ؛ لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمنا ، وسنتنا في الرسل قبله أننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى ، فمن صد عنهم وخرج عن طاعتهم ، أو رغب عن حكمهم كان خارجا عن حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبا أكبر الآثام في ذلك .

وقوله : بإذن الله للاحتراس ؛ لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى ، فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد ، فهو عز وجل يقول : إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم ، وقد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه .

أقول : قوله تعالى : من رسول أبلغ في استغراق النفي من أن يقال : " وما أرسلنا رسولا " ، فكل رسول تجب طاعته ، وإيجاب طاعة الرسول تشعر بأن الرسول أخص من النبي ; فالرسول لا بد أن يكون مقيما لشريعة .

وفسر بعضهم الإذن بالإرادة ، وبعضهم بالأمر ، وبعضهم بالتوفيق والإعانة ، وهو مما تجادل فيه الأشعرية والمعتزلة ، ولا مجال فيه للجدال ، قال الراغب : الإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه نحو : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ، أي : بإرادته وأمره اهـ ، وقوله : بإرادته وأمره تفسير باللازم وإلا فالإذن في اللغة كالأذان والإيذان لما يعلم بإدراك حاسة الأذنين أي : بالسمع ، فقوله : ليطاع بإذن الله معناه بإعلامه الذي نطق به وحيه وطرق آذانكم ، كقوله في الآية السابقة التي هي أم هذا السياق : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وما صرف الرازي عن هذا المعنى البديهي إلا انصراف ذكائه للرد على الجبائي دون فهم الآية في نفسها بما تعطيه اللغة الفصحى .

واستدل بالآية على عصمة الأنبياء ، ووجهه أننا مأمورون بطاعتهم مطلقا فهي واجبة ، ولو أتوا بمعصية لكنا مأمورين بطاعتهم فيها ، فتكون بذلك واجبة ، وقد فرضنا أنها معصية محرمة ، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد ، وهو جمع بين الضدين بمعنى النقيضين ، وفي هذا الاستدلال نظر ، فإن الآية تدل على وجوب طاعتهم فيما يأمرون أو يحكمون به ، فالممتنع أن يحكموا أو يأمروا بخلاف ما أنزله الله تعالى عليهم ، وأما أفعالهم التي لم يأمروا بها ولم يحكموا بها فلا تدل الآية على وجوب اتباعهم فيها ، وإن كانت من أكبر الطاعات في نفسها ، كالتهجد الذي كان مفروضا على نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون المؤمنين ، ومنها خصائص كتعدد الزوجات الذي أبيح له منه ما لم يبح لغيره .

ومن أوامره وأحكامه ما يكون بالاجتهاد إذا لم يكن في الواقعة ، أو الدعوى وحي منزل ، ولم يقولوا بعصمة الأنبياء من الخطأ في الاجتهاد ، وإنما قالوا : إن الله تعالى لا يقرهم على الخطأ فيه ، بل يبين لهم الحق [ ص: 190 ] فيه ، وقد يعاتبهم عليه كما وقع لنبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسألة أسرى بدر ، ومسألة الإذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك ، ولكن الخطأ في الاجتهاد ليس من المعصية في شيء ، فهو لا ينافي العصمة ؛ لأن المعصية هي مخالفة ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث