الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( والقبض فيما ينقل النقل ، لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم } وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية ، لأن القبض ورد به الشرع ، وأطلقه فحمل على العرف والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما حديث زيد فسبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض ، وفي التجار لغتان - كسر التاء مع تخفيف الجيم - وضمها مع التشديد ، والجذاذ - بفتح الجيم وكسرها .

( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : الرجوع في القبض إلى العرف وهو ثلاثة أقسام ( أحدها ) العقار والثمر على الشجرة فقبضه بالتخلية ( والثاني ) ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيتان ونحوها ، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري أو موات أو شارع أو مسجد أو غيره ، وفيه قول حكاه الخراسانيون أنه يكفي فيه التخلية ، وهو مذهب أبي حنيفة ( والثالث ) ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل والثوب والإناء الخفيف والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف . صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي والمصنف في التنبيه والبغوي وخلائق لا يحصون ، وينكر على المصنف كونه أهمله هنا مع شهرته ومع ذكره له في التنبيه والله تعالى أعلم .

[ ص: 334 ] وقد لخص الرافعي - رحمه الله - كلام الأصحاب وجمع متصرفه مختصرا وأنا أنقل مختصره وأضم إليه ما أهمله إن شاء الله تعالى . قال - رحمه الله - القول الجملي فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة ، وتختلف بحسب اختلاف المال ( وأما ) تفصيله فنقول : المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه ، وإما مع اعتبار فيه . فهما نوعان ( الأول ) ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه وإما مع إمكانه . فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والدار ، فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري ، ويمكنه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه ويشترط كونه فارغا من أمتعة البائع ، فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش . وحكى الرافعي بعد هذا وجها شاذا ضعيفا عند ذكر بيع الدار المذروعة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة بالأقمشة ، وادعى إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشتري وبين الدار ، حصل القبض فيما عدا ذلك البيت ، وكذا قاله الأصحاب وكذا نقله المتولي عن الأصحاب . وفي اشتراط حضور البائع عند المبيع في حال الإقباض ثلاثة أوجه ( أحدها ) يشترط ، فإن حضرا عنده فقال البائع للمشتري : دونك هذا ولا مانع ، حصل القبض وإلا فلا ( الثاني ) يشترط حضور المشتري دون البائع ( وأصحها ) لا يشترط حضور واحد منهما . لأن ذلك يشق ، فعلى هذا هل تشترط زمان إمكان المضي ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) نعم ، وبه قطع المتولي وغيره ، وفي معنى الأرض الشجر الثابت والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ ، والله سبحانه أعلم .

( أما ) إذا كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا تكفي التخلية ، بل يشترط النقل والتحويل . وفي قول رواه حرملة تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ، ولا تكفي لجواز تصرفه ، فعلى المذهب إن [ ص: 335 ] كان المبيع عبدا يأمره بالانتقال من موضعه . وإن كان دابة ساقها أو قادها ( قلت ) قال صاحب البيان : لو أمر العبد بعمل لم ينتقل فيه عن موضعه ، أو ركب البهيمة ولم تنقل عن موضعها فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قبضا ، كما لا يكون غصبا قال : ولو وطئ الجارية فليس قبضا على الصحيح من الوجهين وبهذا قطع الجمهور وهذا الذي ذكره في الغصب فيه خلاف نذكره في الغصب إن شاء الله تعالى . قال الرافعي : إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع ، أو في موضع يختص بالمشتري ، فالتحويل إلى مكان منه كاف في حصول القبض ، وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية ، أو من بيت من داره إلى بيت بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف ، ويكفي لدخوله في ضمانه وإن نقل بإذنه حصل القبض ، وكأنه استعار ما نقل إليه . ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة ، فخلى البائع بينهما وبينه ، حصل القبض في الدار ، وفي الأمتعة وجهان ( أصحهما ) يشترط نقلها ، لأنها منقولة كما لو أفردت ( والثاني ) يحصل فيها القبض تبعا ، وبه قطع الماوردي ، وزاد فقال : لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة ( قلت : ) قال الماوردي : ولو استأجر الأرض من البائع فوجهان ( الصحيح ) أنه ليس قبضا للأمتعة والله سبحانه أعلم .

قال الرافعي : ولو لم يتفقا على القبض فجاء البائع بالمبيع فامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه ، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه كما لو كان غائبا ، قال : ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري : ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض فإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئا أو قال : لا أريده فوجهان ( أحدهما ) لا يحصل القبض كما لا يحصل الإيداع ( وأصحهما ) يحصل لوجوب التسليم ، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك فإنه يبرأ من الضمان ، فعلى هذا للمشتري التصرف [ ص: 336 ] فيه . ولو تلف فمن ضمانه لكن لو خرج مستحقا ولم يجر إلا وضعه فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان ، لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب .

( قلت ) قال المتولي : ولو قال البائع للمشتري : احمله إلي واتركه عندي ففعل ، صار قابضا بلا خلاف ، لأنه بأمره ، قال : وإذا وضعه عنده وقلنا : يصير قابضا فباعه قبل أن ينقله ونقله المشتري الثاني وتلف في يده ، ثم خرج مستحقا فللمستحق تغريم البائع الأول ، لأن العين كانت في يده ، وله تغريم المشتري الثاني ، لأنها تلفت في يده ، وليس له تغريم المشتري الأول ، لأن ضمان الاستحقاق ضمان عدوان ، وضمان العدوان لا يتعلق إلا بحقيقة الاستيلاء ، ولهذا لو خلا بمال غيره لا يضمنه بمجرد ذلك ، وإنما جعلناه هنا قابضا ليصح بيعه وتصرفه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع ، وأولى بعدم الحصول لعدم تعين الدين فيه .

( فرع ) للمشتري الاستقلال بنقل المبيع إن كان دفع الثمن ، أو كان مؤجلا ، وقد سبقت المسألة مبسوطة قريبا ( فرع ) لو دفع ظرفا إلى البائع فقال اجعل المبيع فيه ، ففعل لا يحصل التسليم ، إذ لم يوجد من المشتري قبض ، والظرف غير مضمون على البائع لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه ، وفي مثله في السلم يكون الظرف مضمونا على المسلم إليه ، لأنه استعمله في ملك نفسه . ولو قال للبائع : أعرني ظرفك واجعل المبيع فيه ففعل ، لا يصير المشتري قابضا لنوع الثاني أن يعتبر فيه تقدير بأن اشترى ثوبا أو أرضا مذارعة ، أو متاعا موارثة أو صبرة مكايلة أو معدودا بالعدد فلا يكفي للقبض ما سبق في النوع الأول بل لا بد مع ذلك من الذرع أو الوزن أو الكيل أو العد . [ ص: 337 ] وكذا لو أسلم في آصع طعام أو أرطال منه ، يشترط في قبضه القبض أو الكيل أو الوزن فلو قبض جزافا ما اشتراه مكايلة وقع المقبوض في ضمانه ( وأما ) تصرفه فيه بالبيع ونحوه ، فإن باع الجميع لم يصح ، لأنه قد يزيد على المستحق ، فإن باع ما تيقن أنه له لم يصح أيضا على الصحيح الذي قال الجمهور : وفيه وجه ضعيف أنه يصح ، قال المتولي : هذا الوجه لأبي إسحاق المروزي . قال أصحابنا : وقبض ما اشتراه كيلا بالوزن أو وزنا بالكيل كقبضه جزافا ، ولو قال البائع : خذه فإنه كذا فأخذه مصدقا له فالقبض فاسد أيضا ، حتى يقع اكتيال صحيح ، فإن زاد رد الزيادة . فإن نقص أخذ التمام فلو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر وزعم القابض أنه كان دون حقه أو قدره ، فالقول قول القابض ، فلو أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه ، واعلم أن للمبيع - مكايلة - صورا ( منها ) قوله : بعتك هذه الصبرة بدرهم ( ومنها ) : بعتكها على أنها عشرة آصع ومنها بعتك عشرة آصع منها ، وهما يعلمان صيعانها ، أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك .

( فرع ) ليس على البائع الرضا بكيل المشتري ، ولا على المشتري الرضا بكيل البائع ، بل يتفقان على كيال ، وإن لم يتراضيا نصب الحاكم أمينا يتولاه ، قاله الماوردي

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث