الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 212 ] باب الذكاة سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل ذبيحة يهودي أو نصراني مطلقا ولا يدري ما حالهم : هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أم بعد ذلك ؟ بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عند جميع الناس وهم أهل ذمة يؤدون الجزية ولا يعرف من هم ولا من آباؤهم : فهل للمنكرين عليهم منعهم من الذبح للمسلمين ؟ أم لهم الأكل من ذبائحهم كسائر بلاد المسلمين .

التالي السابق


فأجاب رضي الله عنه ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود والنصارى في هذا الزمان ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ومن أنكر ذلك فهو جاهل مخطئ ; مخالف لإجماع المسلمين فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء المسلمين ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة : لا الإنكار المجرد المستند إلى [ ص: 213 ] محض التقليد ; فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء كيف والقول بتحريم ذلك في هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدا مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان وذلك لأن المنكر لهذا لا يخرج عن " قولين " . إما أن يكون ممن يحرم " ذبائح أهل الكتاب " مطلقا كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة . وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم . وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ولا من أقوال أتباعهم . وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله تعالى قال في كتابه : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . فإن قيل هذه الآية معارضة بقوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } وبقوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } . قيل الجواب من ثلاثة أوجه .

أحدها أن الشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب ; وإنما يدخلون في الشرك المقيد قال تعالى : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } فجعل المشركين قسما غير أهل الكتاب وقال تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا } فجعلهم قسما غيرهم . فأما دخولهم في المقيد ففي قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } فوصفهم بأنهم مشركون . وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك كما قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وقال : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ولكنهم بدلوا وغيروا فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به الله سلطانا فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا ; لا باعتبار أصل الدين . وقوله تعالى : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتي كن في عصم المسلمين وأولئك كن مشركات ; لا كتابيات من أهل مكة ونحوها .

[ ص: 215 ] " الوجه الثاني " إذا قدر أن لفظ " المشركات " و " الكوافر " يعم الكتابيات : فآية المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق العلماء كما في الحديث : " { المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها } والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين ; لكن الجمهور يقولون : إنه مفسر له . فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام . وطائفة يقولون : إن ذلك نسخ بعد أن شرع . " الوجه الثالث " إذا فرضنا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم والآخر أحلهما . فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين . " أحدهما " أن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص المتقدم . ولا يقال إن هذا نسخ للحكم مرتين ; لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعي حلل ذلك ; بل كان لعدم التحريم ; بمنزلة شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك . والتحريم المبتدأ لا يكون نسخا لاستصحاب حكم الفعل ; ولهذا لم يكن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم " { لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير } ناسخا لما دل عليه قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } الآية - من أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة ; فإن هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية ; ولم يثبت تحليل [ ص: 216 ] ما سوى ذلك ; بل كان ما سوى ذلك عفوا لا تحليل فيه ولا تحريم كفعل الصبي والمجنون .

وكما في الحديث المعروف " { الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه } وهذا محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفا عليه أو مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ويدل على ذلك أنه قال في سورة المائدة : { اليوم أحل لكم الطيبات } فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم وسورة المائدة مدنية بالإجماع وسورة الأنعام مكية بالإجماع . فعلم أن تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة وقوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } وقال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } إلى آخرها . فثبت نكاح الكتابيات وقيل ذلك كان إما عفوا على الصحيح وإما محرما ثم نسخ . يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء . " الوجه الثاني " أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم فإذا ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر ; وحل أطعمتهم ليس له معارض أصلا .

ويدل على ذلك أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك . [ ص: 217 ] فإن قيل قوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } محمول على الفواكه والحبوب . قيل : هذا خطأ لوجوه . " أحدها " أن هذه مباحة من أهل الكتاب والمشركين والمجوس فليس في تخصيصها بأهل الكتاب فائدة . " الثاني " أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعاما بفعلهم وهذا إنما يستحق في الذبائح التي صارت لحما بذكاتهم . فأما الفواكه فإن الله خلقها مطعومة لم تصر طعاما بفعل آدمي . " الثالث " أنه قرن حل الطعام بحل النساء وأباح طعامنا لهم كما أباح طعامهم لنا . ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون المشركين فكذلك حكم الطعام . والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب . " الرابع " أن لفظ " الطعام " عام . وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله للفاكهة فيجب إقرار اللفظ على عمومه ; لا سيما وقد قرن به قوله تعالى : { وطعامكم حل لهم } ونحن يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا فكذلك يحل لنا أن نأكل جميع أنواع طعامهم . وأيضا فقد ثبت في الصحاح ; بل بالنقل المستفيض : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية فأكل منها لقمة ثم [ ص: 218 ] قال : إن هذه تخبرني أن فيها سما } ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة . وثبت في الصحيح : " { أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم قال قلت لا أطعم اليوم من هذا أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ولم ينكر عليه } . وهذا مما استدل به العلماء على جواز أكل جيش المسلمين من طعام أهل الحرب قبل القسمة .

وأيضا فإن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة } رواه الإمام أحمد . و " الإهالة " من الودك الذي يكون من الذبيحة من السمن ونحوه الذي يكون في أوعيتهم التي يطبخون فيها في العادة ولو كانت ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم كأواني المجوس ونحوهم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم " { أنه نهى عن الأكل في أوعيتهم حتى رخص أن يغسل } . وأيضا فقد استفاض أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب اليهود والنصارى وإنما امتنعوا من ذبائح المجوس . ووقع في جبن المجوس من النزاع ما هو معروف بين المسلمين ; لأن الجبن يحتاج إلى الإنفحة . وفي إنفحة الميتة نزاع معروف بين العلماء . فأبو حنيفة يقول بطهارتها ومالك والشافعي يقولان بنجاستها وعن أحمد روايتان .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث