الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                وبعد هذا فاعلم أن الأمة انقسمت في دخول الطلاق والعتاق في حديث الاستثناء على " ثلاثة أقسام " . " فقوم " قالوا : يدخل في ذلك الطلاق والعتاق أنفسهما ; حتى لو قال أنت طالق إن شاء الله وأنت حر إن شاء الله : دخل ذلك في عموم الحديث وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما . [ ص: 284 ] وقوم قالوا يدخل في ذلك الطلاق والعتاق ; لا إيقاعهما ولا الحلف بهما بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم وهذا أشهر القولين في مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد . و " القول الثالث " أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل في ذلك ; بل يدخل فيه الحلف بالطلاق والعتاق وهذه الرواية الثانية عن أحمد .

                ومن أصحابه من قال : إن كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث ونفعته المشيئة رواية واحدة ; وإن كان بصيغة الجزاء ففيه روايتان و " هذا القول الثالث " هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين : كسعيد بن المسيب والحسن ; لم يجعلوا في الطلاق استثناء ولم يجعلوه من الأيمان ; ثم قد ذكرنا عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف بالصدقة والهدي والعتاق ونحو ذلك يمينا مكفرة وهذا معنى قول أحمد في غير موضع : الاستثناء في الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان قال أيضا : الثنيا في الطلاق لا أقول به ; وذلك أن الطلاق والعتاق حرفان واقعان . وقال أيضا : إنما يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة والطلاق والعتاق لا يكفران . وهذا الذي قاله ظاهر وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يمينا أصلا وإنما هو بمنزلة العفو عن القصاص والإبراء من الدين ولهذا لو قال : " والله لا أحلف على يمين ثم إنه أعتق عبدا له أو طلق امرأته أو أبرأ [ ص: 285 ] غريمه من دم أو مال أو عرض ; فإنه لا يحنث ; ما علمت أحدا خالف في ذلك .

                فمن أدخل إيقاع الطلاق والعتاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم { من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث } فقد حمل العام ما لا يحتمله كما أن من أخرج من هذا العام قوله : الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعله إن شاء الله أو إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله . فقد أخرج من القول العام ما هو داخل فيه فإن هذا يمين بالطلاق والعتاق . وهنا ينبغي تقليد أحمد بقوله : الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان ; فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما . وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا ; ولهذا لو قال : والله لا أحلف على يمين أبدا . ثم قال : إن فعلت كذا فامرأتي طالق . حنث . وقد تقدم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سموه يمينا وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا وكذلك عامة المسلمين سموه يمينا ومعنى اليمين موجود فيه فإنه إذا قال : أحلف بالله لأفعلن إن شاء الله . فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه والمعنى إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله فإذا لم يفعل لم يكن قد شاءه ; فلا يكون ملتزما له .

                فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد - أي الحالف - إن شاء الله أن أكون حالفا كان معنى هذا مغايرا الاستثناء في الإنشاءات كالطلاق [ ص: 286 ] وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ذلك . وكذلك قوله : الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله . تعود المشيئة عند الإطلاق إلى الفعل فالمعنى لأفعلنه إن شاء الله فعله فمتى لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ملتزما للطلاق ; بخلاف ما لو عنى بالطلاق يلزمني إن شاء الله لزومه إياه فإن هذا بمنزلة قوله أنت طالق إن شاء الله . وقول أحمد : إنما يكون الاستثناء فيما فيه حكم الكفارة والطلاق والعتاق لا يكفران . كلام حسن بليغ ; لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حكم الاستثناء وحكم الكفارة مخرجا واحدا بصيغة الجزاء وبصيغة واحدة فلا يفرق بين ما جمعه النبي صلى الله عليه وسلم بل إن الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها فإنها واجبة بوجوب أسبابها فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله وإنما تعلق على المشيئة الحوادث التي قد يشاؤها الله وقد لا يشاؤها من أفعال العباد ونحوها والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في اليمين التي قد يحصل فيها الموافقة بالبر تارة والمخالفة بالحنث أخرى .

                ووجوب الكفارة بالحنث في اليمين التي تحتمل الموافقة والمخالفة كارتفاع اليمين بالمشيئة التي تحتمل التعليق وعدم التعليق : فكل من حلف على شيء ليفعلنه فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته الكفارة فالاستثناء والتكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيها الموافقة [ ص: 287 ] فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص فهذا على ما أوجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره : الطلاق والعتاق لا يكفران . كقوله وقول غيره : لا استثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق . وأما الحلف بهما فليس تكفيرا لهما ; وإنما هو تكفير للحلف بهما كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي وإنما يكفر الحلف بهم وإلا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها وكما أنه إذا قال : إن فعلت كذا فعلي أن أعتق . فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج والغضب ; وليس ذلك تكفيرا للعتق وإنما هو تكفير للحلف به . فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كان الحلف بهما تصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمناه .

                وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه وسنتكلم إن شاء الله في " مسألة الاستثناء " على حدة . [ ص: 288 ] وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه لأنه لا استثناء فيه لزم من هذا القول أن الاستثناء في الحلف بهما . وأما من فرق من أصحاب أحمد فقال : يصح في الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة . فهذا الفرق لم أعلمه منصوصا عليه عن أحمد ; ولكنهم معذورون فيه من قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين كما نص في الاستثناء في الحلف بهما على روايتين ; لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها . ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم . والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه . فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات أو نص على نفيه . وإذا نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه في الاستثناء روايتان . فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهبا ؟ أو لا يسمى ؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور [ ص: 289 ] فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهبا له والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهبا له . والتحقيق أن هذا قياس قوله ولازم قوله ; فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه ; ولا أيضا بمنزلة ما ليس بلازم قوله ; بل هو منزلة بين منزلتين . هذا حيث أمكن أن لا يلازمه .

                وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به أو ملزما له إذا أوقعه صاحبه وكذلك العتق وكذلك النذر . وهذه العقود من النذور والطلاق والعتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد أو تحريم أشياء عليه . والوجوب والتحريم إنما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه ; فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق ولو تكلم بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا وعند الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه ; لم يقصد حكمها ; ولا قصد التكلم بها ابتداء . فكذلك الحالف إذا قال : إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق ولا تكلم بما يوجبه ابتداء ; وإنما قصده الحض على ذلك الفعل . أو منع نفسه منه كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه ; ثم قال على طريق المبالغة في الحض والمنع : إن فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا علي حرام ; لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما جميعا لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه . وإذا لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه وإنما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية