الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر

ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر ،

بل يتوجه الأمر بالشرط والمشروط ويكون مأمورا بتقديم الشرط ، فيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الإسلام كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء والملحد بتصديق الرسول بشرط تقديم الإيمان بالرسل . وذهب أصحاب الرأي إلى إنكار ذلك ، والخلاف إما في الجواز وإما في الوقوع . أما الجواز العقلي فواضح ، إذ لا يمتنع أن يقول الشارع { بني الإسلام على خمس } وأنتم مأمورون بجميعها وبتقديم الإسلام من جملتها ، فيكون الإيمان مأمورا به لنفسه ولكونه شرطا لسائر العبادات كما في المحدث والملحد .

فإن منع مانع الجميع وقال : كيف يؤمر بما لا يمكن امتثاله ، والمحدث لا يقدر على الصلاة فهو مأمور بالوضوء فإذا توضأ توجه عليه حينئذ الأمر بالصلاة ؟ قلنا : فينبغي أن يقال لو ترك الوضوء والصلاة جميع عمره لا يعاقب على ترك الصلاة ; لأنه لم يؤمر قط بالصلاة ، وهذا خلاف الإجماع . وينبغي أن لا يصح أمره بعد الوضوء بالصلاة بل بالتكبير ، فإنه يشترط تقديمه ، ولا بالتكبير بل بهمزة التكبير أولا ثم بالكاف ثانيا وعلى هذا الترتيب .

وكذلك السعي إلى الجمعة ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا بالخطوة الأولى ثم بالثانية . وأما الوقوع الشرعي فنقول : كان يجوز أن يخصص خطاب الفروع بالمؤمنين كما خصص وجوب العبادات بالأحرار والمقيمين والأصحاء والطاهرات دون الحيض ; ولكن وردت الأدلة بمخاطبتهم ، وأدلته ثلاثة ، الأول : قوله تعالى : { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين } الآية ، فأخبر أنه عذبهم بترك الصلاة وحذر المسلمين به .

فإن قيل : هذه حكاية قول الكفار فلا حجة فيها قلنا : ذكره الله - تعالى - في معرض التصديق لهم بإجماع الأمة وبه يحصل التحذير ، إذ لو كان كذبا لكان كقولهم : عذبنا ; لأنا مخلوقون وموجودون ، كيف وقد عطف عليه قوله : { وكنا نكذب بيوم الدين } فكيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه ؟ فإن قيل : العقاب بالتكذيب لكن غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه . قلنا : لا يجوز أن يغلظ بترك الطاعات كما لا يجوز أن يغلظ بترك المباحات التي لم يخاطبوا بها .

فإن قيل : عوقبوا لا بترك الصلاة لكن لإخراجهم أنفسهم بترك الإيمان عن العلم بقبح ترك الصلاة . قلنا : هذا باطل من أوجه : أحدها : أنه ترك للظاهر من غير ضرورة ولا دليل ، فإن ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة ، وقد قالوا { لم نك من المصلين } الثاني : أن ذلك يوجب التسوية بين كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين من اقتصر على الكفر ; لأن كليهما استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم بقبح المحظورات ، والتسوية بينهما خلاف الإجماع . الثالث : أن من ترك النظر والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ترك الإيمان ; لأنه أخرج نفسه بترك النظر عن أهلية العلم بوجوب المعرفة والإيمان .

فإن قيل : لم [ ص: 74 ] نك من المصلين أي من المؤمنين ، لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم : { نهيت عن قتل المصلين } أي : المؤمنين لكن عرفهم بما هو شعارهم . قلنا : هذا محتمل ، لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ولا دليل للخصم . الدليل الثاني : قوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله } إلى قوله تعالى : { يضاعف له العذاب } فالآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا لا كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب . الدليل الثالث انعقاد الإجماع على تعذيب الكافر على تكذيب الرسول كما يعذب على الكفر بالله - تعالى - .

وهذا يهدم معتمدهم ، إذ قالوا : لا تتصور العبادة مع الكفر فكيف يؤمر بها ؟ احتجوا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في الكفر ومع انتفاء وجوبه لو أسلم ، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله ؟ قلنا : وجب حتى لو مات على الكفر لعوقب على تركه ، لكن إذا أسلم عفي له عما سلف ، فالإسلام يجب ما قبله . ولا يبعد نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال ، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام ؟ فإن قيل : إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الإسلام ، والإسلام الذي هو شرط الوجوب هو بعينه مسقط ، فالاستدلال بهذا على أنه لم يجب أولى من إيجابه ثم الحكم بسقوطه .

قلنا : لا بعد في قولنا استقر الوجوب بالإسلام وسقط بحكم العفو ، فليس في ذلك مخالفة نص ، ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي للفواحش ، وكذا الإجماع دل على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش الدين وبين كافر لم يرتكب شيئا من ذلك ، فما ذكرناه أولى . فإن قيل : فلم أوجبتم القضاء على المرتد دون الكافر الأصلي ؟ قلنا : القضاء إنما وجب بأمر مجدد فيتبع فيه موجب الدليل ولا حجة فيه ، إذ قد يجب القضاء على الحائض ولم تؤمر بالأداء ، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء .

وقد اعتذر الفقهاء بأن المرتد قد التزم بالإسلام القضاء والكافر لم يلتزم . وهذا ضعيف ، فإن ما ألزمه الله - تعالى - فهو لازم ، التزمه العبد أو لم يلتزمه . فإن كان يسقط بعدم التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات وترك المحظورات ، فينبغي أن لا يلزمه ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث