الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم

قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم الآية .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والنحاس في (ناسخه)، والطبراني ، والحاكم وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة - يعني المائدة - آية القلائد، وقوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة : 49]، قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا . [ ص: 315 ] وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال : نسختها هذه الآية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله .

وأخرج عبد الرزاق ، عن عكرمة، مثله .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن شهاب، أن الآية التي في سورة المائدة : فإن جاءوك فاحكم بينهم كانت في شأن الرجم .

وأخرج ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، من طريق عكرمة، عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إلى قوله : المقسطين إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، يودون الدية كاملة، وإن بني قريظة كانوا يودون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق، في ذلك، فجعل الدية سواء [ ص: 316 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم ، وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه، فنزلت : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط والقسط النفس بالنفس، ثم نزلت : أفحكم الجاهلية يبغون [المائدة : 50] .

وأخرج أبو الشيخ ، عن السدي في قوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال : يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره، فإن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم، ثم قال : وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا قال : نسختها : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم

وأخرج عبد بن حميد ، والنحاس في (ناسخه)، عن الشعبي في قوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال : إن شاء حكم بينهم، وإن شاء لم يحكم .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، عن إبراهيم، والشعبي، [ ص: 317 ] قالا : إذا جاؤوا إلى حاكم من المسلمين، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن عطاء في الآية قال : هو مخير .

وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال : يحكم بينهم بما أنزل الله .

وأخرج أبو الشيخ ، عن مجاهد قال : أهل الذمة إذا ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، والبيهقي ، عن إبراهيم التيمي : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط قال : بالرجم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي مالك في قوله : إن الله يحب المقسطين يعني : المعدلين في القول والفعل .

وأخرج عبد الرزاق ، عن الزهري في الآية قال : مضت السنة أن يردوا في حقوقهم، ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه [ ص: 318 ] فيحكم بينهم بكتاب الله، وقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث