الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين

قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها الآية .

أخرج ابن جرير ، عن ابن جريج ، قال : لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بالرجم، وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة فقالوا : يا محمد، اقض بيننا، وبين إخواننا بني النضير، وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير يتعززون على بني قريظة، ودياتهم على أنصاف ديات النضير، وكانت الدية من وسوق التمر أربعين ومائة وسق لبني النضير، وسبعين وسقا لبني قريظة، فقال : (دم القرظي وفاء من دم النضيري)، فغضب بنو النضير، وقالوا : لا نطيعك في الرجم، ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها، فنزلت : أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ونزل : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية .

وأخرج ابن المنذر ، من طريق ابن جريج ، عن ابن عباس : وكتبنا عليهم فيها قال : في التوراة . [ ص: 332 ] وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر من طريق مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال : كتب عليهم هذا في التوراة، فكانوا يقتلون الحر بالعبد، ويقولون : كتب علينا أن النفس بالنفس .

وأخرج عبد الرزاق ، عن سعيد بن المسيب قال : كتب ذلك على بني إسرائيل، فهذه الآيات لنا ولهم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن ، أنه سئل عن قوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى تمام الآية، هي عليهم خاصة؟ قال : بل عليهم والناس عامة .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، عن قتادة : وكتبنا عليهم فيها قال : في التوراة أن النفس بالنفس الآية، قال : إنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله وعطلوا حدوده، وتركوا كتابه، وقتلوا رسله .

وأخرج عبد الرزاق ، عن الحسن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه)، فراجعوه، فقال : (قضى الله النفس بالنفس) .

وأخرج البيهقي في "سننه" عن ابن شهاب قال : لما نزلت هذه الآية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس أقيدت المرأة من الرجل، وفيما [ ص: 333 ] تعمد من الجوارح .

وأخرج البيهقي ، عن سعيد بن المسيب قال : الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها، قال الله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس ، في قوله : أن النفس بالنفس قال : يقول : تقتل النفس بالنفس، والعين بالعين قال : تفقأ العين بالعين، والأنف بالأنف قال : يقطع الأنف بالأنف والسن بالسن قال : تنزع السن بالسن، والجروح قصاص قال : وتقتص الجراح بالجراح، فمن تصدق به يقول : من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب، وأجر للطالب .

وأخرج أحمد، وأبو داود ، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها : (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين)، نصب (النفس)، ورفع (العين)، وما بعده، الآية كلها . [ ص: 334 ] وأخرج ابن سعد، وأحمد ، والبخاري ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن أنس ، أن الربيع كسرت ثنية جارية، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (القصاص)، فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا أنس، كتاب الله القصاص) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عطاء، قال : للجروح قصاص، وليس للإمام أن يضربه، ولا أن يحبسه، إنما هو القصاص، ما كان الله نسيا، لو شاء لأمر بالسجن والضرب .

وأخرج الفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في "سننه"، عن عبد الله بن عمر، في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له قال : يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به . [ ص: 335 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن الحسن في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له قال : كفارة للمجروح .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن جابر بن عبد الله في قوله : فهو كفارة له قال : للمجروح .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن الشعبي : فهو كفارة له قال : للذي تصدق به .

وأخرج ابن مردويه ، عن رجل من الأنصار، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له قال : هو الرجل تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في بدنه، فيعفو عن ذلك، فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك .

وأخرج الديلمي، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن تصدق به فهو كفارة له هو الرجل يكسر سنه أو يجرح من جسده، [ ص: 336 ] فيعفو عنه، فيحط من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها) .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن مردويه ، عن عدي بن ثابت، أن رجلا هشم فم رجل على عهد معاوية، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثا، فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت) .

وأخرج أحمد، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، عن أبي السفر قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية : إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية : شأنك وصاحبك، وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه [ ص: 337 ] به خطيئة)، فقال الأنصاري : فإني قد عفوت .

وأخرج أحمد، والنسائي ، عن عبادة بن الصامت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من رجل يجرح في جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به) .

وأخرج أحمد، عن رجل من الصحابة قال : من أصيب بشيء في جسده فتركه لله كان كفارة له .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن يونس بن أبي إسحاق قال : سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له فقال له أبو إسحاق : هو الذي يعفو، قال مجاهد : لا، بل هو الجارح صاحب الذنب .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس في قوله : [ ص: 338 ] فمن تصدق به فهو كفارة له قال : كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن مجاهد ، وإبراهيم : فمن تصدق به فهو كفارة له قالا : كفارة للجارح، وأجر الذي أصيب على الله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن جابر بن زيد : فهو كفارة له قال : للجارح .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له قال : كفارة للمتصدق عليه .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له يقول : من جرح فتصدق به على الجارح، فليس على الجارح سبيل، ولا قود، ولا عقل، ولا حرج عليه، من أجل أنه تصدق عليه الذي جرح، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم . [ ص: 339 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، عن زيد بن أسلم في الآية قال : إن عفا عنه أو اقتص منه، أو قبل منه الدية، فهو كفارة له .

وأخرج الخطيب، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث