الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل في أحكام صلاة السفر ( سن ) سنة مؤكدة ( لمسافر ) رجل أو امرأة ( غير عاص به ) أي بالسفر فيمنع قصر عاص به كآبق وقاطع طريق وعاق فإن تاب قصر إن بقي بعدها المسافة وإن عصى به في أثنائه وأتم وجوبا حينئذ فإن قصر لم يعد على الأصوب ( و ) غيره ( لاه ) به وكره قصر اللاهي على المعتمد فإن قصر لم يعد بالأولى من العاصي به ( أربعة برد ) معمول مسافر بيان لمسافة القصر كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال فهي ثمانية وأربعون ميلا والمشهور أن الميل ألفا ذراع والصحيح أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة [ ص: 359 ] وهي باعتبار الزمان مرحلتان أي سير يومين معتدلين أو يوم وليلة بسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد .

( ولو ) كان سفرها ( ببحر ) أي جميعها أو بعضها تقدمت مسافة البحر أو تأخرت حيث كان السير فيه بالمجاذيف أو بها وبالريح كأن كان بالريح فقط وتأخرت مسافة البر أو تقدمت وكانت قدر المسافة الشرعية وإلا فلا يقصر حتى ينزل البحر ويسير بالريح وكان فيه المسافة معتبرة ( ذهابا ) أي غير مضموم إليها الرجوع ( قصدت ) تلك المسافة ( دفعة ) بفتح الدال فإن لم تقصد أصلا كهائم وطالب رعي أو قصدت لا دفعة بل نوى إقامة في أثنائها تقطع حكم السفر لم يقصر ( إن عدى ) أي جاوز ( البلدي ) أي الحضري ( البساتين ) المتصلة ولو حكما بأن يرتفق سكانهما بالبلد ارتفاق الاتصال من نار وطبخ وخبز ( المسكونة ) بالأهل ولو في بعض العام [ ص: 360 ] ولا عبرة بالمزارع أو البساتين المنفصلة أو غير المسكونة ولا عبرة بالحارس والعامل فيها ولا فرق بين قرية الجمعة وغيرها وهو المعتمد .

وظاهر قوله ويتم المسافر حتى يبرز من قريته ( وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة ) بحمل قولها حتى يبرز عن قريته على مجاوزة الثلاثة في قريتها ( و ) إن عدى ( العمودي حلته ) أي بيوت حلته ولو تفرقت حيث جمعهم اسم الحي والدار أو الدار فقط ( و ) إن ( انفصل غيرهما ) أي غير البلدي والعمودي عن مكانه كساكن الجبال وقرية لا بساتين بها متصلة ( قصر رباعية ) نائب فاعل سن لا صبح ومغرب ( وقتية ) أي سافر في وقتها ولو الضروري فيقصر الظهرين من عدى البساتين قبل الغروب بثلاث ركعات فأكثر ولو أخرهما عمدا ولركعتين أو ركعة صلى العصر فقط سفرية ( أو فائتة فيه ) أي في السفر ولو أداها في الحضر ولا فائتة في الحضر فحضرية ولو أداها بسفر [ ص: 361 ] ( وإن ) كان المسافر ( نوتيا ) أي خادم سفينة سافر ( بأهله )

التالي السابق


( فصل في أحكام صلاة السفر ) ( قوله سنة مؤكدة ) هذا هو الراجح قال عياض في الإكمال كونه سنة هو المشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف ا هـ وقيل إن القصر فرض وقيل مستحب وقيل مباح وعلى السنية ففي آكديتها على سنية الجماعة وعكسه قولا ابن رشد واللخمي وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا تعارضا كما إذا لم يجد المسافر أحدا يأتم به إلا مقيما فهل لا يأتم به وهو الأول ويؤيده إطلاق المصنف كراهة الائتمام به فيما يأتي أو يأتم به من غير كراهة بل ذلك مطلوب وهو القول الثاني .

( قوله لمسافر ) أي ولو كان سفره على خلاف العادة بأن كان بطيران أو بخطوة فمن كان يقطع المسافة الآتية بسفره قصر ولو كان يقطعها في لحظة بطيران ونحوه وأراد المصنف بالمسافر مريد السفر على جهة المجاز المرسل من إطلاق اسم المسبب على السبب .

( قوله غير عاص به ) أي بسببه وفهم من قوله به أن العاصي فيه كالزاني وشارب الخمر يقصر الصلاة وهو كذلك اتفاقا .

( قوله وإن عصى به ) أي طرأ له العصيان في أثنائه .

( قوله أتم وجوبا ) أي ولا يقصر .

( قوله فإن قصر ) أي العاصي بالسفر سواء كان عصيانه في أول السفر أو في أثنائه والموضوع أن المسافة مسافة قصر واعلم أن في قصر العاصي بالسفر قولين بالحرمة والكراهة وفي قصر اللاهي قولين بالكراهة والجواز والراجح فيه الحرمة في العاصي والكراهة في اللاهي فلو قصر العاصي فلا إعادة عليه على الأصوب كما اقتصر عليه ح وغيره فقول خش فإن قصر العاصي أعاد أبدا على الراجح وإن قصر اللاهي أعاد في [ ص: 359 ] الوقت غير ظاهر ا هـ بن .

( قوله وهي ) الأربعة برد .

( قوله يومين متعادلين ) هذا هو ما في الشيخ أحمد الزرقاني وقوله أو يوم وليلة هو ما للشاذلي ورجحه بعضهم وهو قريب من الأول والظاهر كما قال شيخنا تبعا لخش في كبيره أن اليوم يعتبر من طلوع الشمس لأنه المعتاد للسير غالبا لا من طلوع الفجر خلافا لبعضهم ويغتفر وقت النزول المعتاد لراحة أو إصلاح متاع مثلا .

( قوله ولو كان سفرها ببحر ) أشار بهذا إلى أن المبالغة في التحديد بالمسافة خلافا لمن قال العبرة في البحر بالزمان مطلقا ولمن قال العبرة فيه بالزمان إن سافر فيه لا بجانب البر وإن سافر بجانبه فالعبرة بالأربعة برد وليست المبالغة راجعة لمسافر لأنه لا خلاف في قصر المسافر في البحر .

( قوله تقدمت إلخ ) هذا التفصيل لابن المواز وعليه اقتصر العوفي في شرح قواعد عياض وبهرام واعتمده عج وارتضاه شيخنا العدوي وحاصله أنه يلفق بين المسافتين سواء تقدمت مسافة البحر أو تأخرت سواء كان كل من المسافتين مسافة قصر أو إحداهما دون الأخرى أو كان مجموعهما مسافة قصر إذا كان السير في البحر بالمقاذيف أو بها وبالريح وكذا إن كان بالريح فقط وكانت مسافة البحر متقدمة أو تقدمت مسافة البر وتأخرت مسافة البحر وكانت مسافة البر على حدتها مسافة شرعية فإن كانت أقل منها فلا يقصر حتى ينزل البحر ويسير بالريح لاحتمال تعذر الريح عليه وكانت فيه المسافة شرعية على حدته ذهابا ومقابل ما لابن المواز قول عبد الملك إنه إذا اتفق للشخص سفر بر وبحر فإنه يقصر ويلفق مسافة البر لمسافة البحر مطلقا من غير تفصيل فتحصل مما ذكر أن البحر قيل لا تعتبر فيه المسافة بل الزمان وهو يوم وليلة وقيل باعتبارها فيه كالبر وهو المعتمد وعليه إذا سافر وكان بعض سفره في البر وبعض سفره في البحر فقيل يلفق مسافة أحدهما لمسافة الآخر مطلقا من غير تفصيل وقيل لا بد فيه من التفصيل على ما مر وهو المعتمد .

( قوله حتى ينزل البحر ) أي لاحتمال تعذر الريح عليه .

( قوله ذهابا ) حال من أربعة برد أي حالة كونها ذا ذهاب أو يؤول ذهابا بمذهوبا أي حالة كونها مذهوبا فيها أو أنه معمول لحال محذوفة كما أشار له الشارح فلو كانت ملفقة من الذهاب والرجوع لم يقصر .

( قوله قصدت دفعة ) المراد بقصدها دفعة أن لا ينوي أن يقيم فيما بينها إقامة توجب الإتمام كأربعة أيام صحاح فمن قصد أربعة برد ونوى أن يسير منها بردين ثم يقيم أربعة أيام صحاح ثم يسافر باقيها فإنه يتم فإن نوى إقامة يومين أو ثلاثة فإنه يقصر وليس المراد بكونها قصدت دفعة أن يقصد قطعها في سيرة واحدة بحيث لا يقيم في أثناء سفرها أصلا لأن العادة قاضية بخلاف ذلك .

( قوله فإن لم تقصد أصلا ) أي فإن لم يقصد بسفره تلك المسافة أصلا ( قوله إن عدى البلدي البساتين إلخ ) اعلم أن تعديتها إذا سافر من ناحيتها أو من غير ناحيتها وكان محاذيا لها وإلا فيقصر بمجرد مجاوزة البيوت كذا في عبق وفي بن أنه لا يشترط مجاوزتها إلا إذا سافر من ناحيتها إن سافر من غير ناحيتها فلا يشترط مجاوزتها ولو كان محاذيا لها إذ غاية البساتين أن تكون كجزء من البلد ( تنبيه ) مثل البساتين المسكونة القريتان اللتان يرتفق أهل إحداهما بأهل الأخرى بالفعل وإلا فكل قرية تعتبر بمفردها إن كان عدم الارتفاق لنحو عداوة وفي شب إذا كان بعض ساكنيها يرتفق بالبلد الأخرى كالجانب الأيمن دون الآخر فالظاهر أن حكمها كلها كحكم المتصلة .

( قوله أي الحضري ) [ ص: 360 ] قاله بن الصواب إسقاطه إذ المراد بالبلدي من كان يكمل الصلاة في البلد سواء كان حضريا أو بدويا فإذا دخل البلدي بلدا ونوى أن يقيم فيها أربعة أيام صحاح ثم أراد الارتحال فلا يقصر حتى يجاوز البساتين إذا سافر من ناحيتها .

( قوله ولا عبرة بالمزارع ) أي فلا يشترط مجاوزتها وكذا ما بعدها .

( قوله ولا عبرة بالحارس إلخ ) أي لا عبرة بإقامته فيها .

( قوله ولا فرق بين قرية الجمعة وغيرها ) أي في اشتراط مجاوزة البساتين المسكونة المتصلة بالبلد .

( قوله ويتم المسافر حتى يبرز من قريته ) أي فإن المتبادر من بروزه من القرية مجاوزتها بالمرة وإنما يكون كذلك إذا جاوز ما في حكمها من البساتين المسكونة والحاصل أن المعول عليه إنما هو مجاوزة البساتين المسكونة ولا يشترط مجاوزة المزارع ولا فرق في ذلك بين قرية الجمعة وغيرها وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك إن كانت قرية جمعة فلا يقصر المسافر منها حتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال من السور إن كان للبلد سور وإلا فمن آخر بنائها وإن لم تكن قرية جمعة فيكفي مجاوزة البساتين فقط واختلف هل هذه الرواية تفسير للمدونة وهو اختيار ابن رشد وعلى هذا فكلام المدونة خلاف المعتمد المتقدم أو خلاف أي أو قول مخالف لما في المدونة وأن المدونة موافقة للقول المعتمد المتقدم وأن قولها حتى يبرز عن قريته بمجاوزة البساتين وهو رأي الباجي وغيره وإلى ما ذكر من التأويلين وأشار المصنف بقوله وتؤولت إلخ أي وتؤولت على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة كما تؤولت على مجاوزة البساتين مطلقا والمعول عليه أن هذه الرواية مخالفة لظاهر المدونة وليست تفسيرا لها كما قال ابن رشد ثم اعلم أنه على القول الأول وهو المعتمد فالأربعة برد إنما تعتبر بعد مجاوزة البساتين المسكونة وأما على القول الثاني فهل تحسب الثلاثة أميال من جملة الأربعة برد وإن كان لا يقصر حتى يجاوزها وهو ظاهر كلامهم واختاره البرزلي وغيره وصوبه بعضهم أو لا تحسب من جملتها وصوبه ابن ناجي وقال عبق وخش والظاهر أن محل الخلاف أي في اعتبار مجاوزة البساتين فقط في قرية الجمعة أو الثلاثة أميال حيث لم تزد البساتين على مجاوزة ثلاثة أميال فإن زادت عليها اتفق القولان على اعتبار مجاوزة البساتين وكذا إن كانت ثلاثة أميال وأما إذا كانت الثلاثة أميال تزيد على البساتين المسكونة فيجري فيها التأويلان في اعتبار مجاوزتها وعدمه ورد هذا بن بأن الحق أن الخلاف مطلق فإذا زادت البساتين على ثلاثة أميال أو زادت الثلاثة أميال على البساتين المسكونة جرى الخلاف فيهما ونقل عن المواق وعن نوازل ابن الحاج ما يفيد ذلك انظره .

( قوله بقرية الجمعة ) أي التي تقام فيها ولو في زمن من دون زمن كذا في عبق ورده بن بأن ظاهر ابن رشد أن المراد بقرية الجمعة ما كانت الجمعة تقام فيها بالفعل دائما .

( قوله والعمودي ) أي وهو ساكن البادية سمي بذلك لأنه يجعل بيته على عمد وقوله حلته بكسر الحاء أي محلته وهي منزل قومه فالحلة والمنزل بمعنى .

( قوله حيث جمعهم اسم الحي والدار أو الدار فقط ) المراد بالحي القبيلة والمراد بالدار المنزل الذي ينزلون فيه وحاصله أنه إذا جمعهم اسم الحي والدار أو الدار فقط فإنه لا يقصر في هاتين الحالتين إلا إذا جاوز جميع البيوت لأنها بمنزلة الفضاء والرحاب المجاورة للأبنية فكما أنه لا بد من مجاوزة الفضاء لا بد من مجاوزة جميع البيوت وأما لو جمعهم اسم الحي فقط دون الدار بأن كان كل فرقة في دار فإنها تعتبر كل دار على حدتها حيث كان لا يرتفق بعضهم ببعض وإلا فهم كأهل الدار الواحدة وكذا إذا لم يجمعهم اسم الحي والدار فإنه يقصر إذا جاوز بيوت حلته هو .

( قوله كساكن الجبال ) أي فإنه يقصر إذا جاوز محله وساكن القرية التي لا بساتين بها مسكونة فإنه يقصر إذا جاوز بيوت القرية والأبنية الخراب التي في طرفها وكذلك ساكن البساتين يقصر بمجرد انفصاله عن مسكنه سواء كانت تلك البساتين متصلة بالبلد أو منفصلة عنها .

( قوله وقتية ) فيه أن الأولى إبداله بحاضرة لأن الفائتة إنما تقابل الحاضرة لا الوقتية لأن الفائتة وقتية [ ص: 361 ] أيضا إلا أن يقال الوقت إذا أطلق إنما ينصرف لوقت الأداء ( قوله وإن نوتيا بأهله ) أي خلافا للإمام أحمد بن حنبل وأحرى غير النوتي إذا سافر بأهله والنوتي إذا سافر بأهله بغير أهله فالمصنف نص على المتوهم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث