الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب اختلافهم في الاستعاذة

والكلام عليها من وجوه ( الأول ) في صيغتها وفيه مسألتان :

( الأولى ) أن المختار لجميع القراء من حيث الرواية ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) كما ورد في سورة النحل فقد حكى الأستاذ أبو طاهر بن سوار وأبو العز القلانسي وغيرهما الاتفاق على هذا اللفظ بعينه ، وقال الإمام أبو الحسن السخاوي في كتابه " جمال القراء " إن الذي عليه إجماع الأمة هو : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، وقال الحافظ أبو عمرو الداني أنه هو المستعمل عند الحذاق دون غيره ، وهو المأخوذ به عند عامة الفقهاء : كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم ، وقد ورد النص بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ففي الصحيحين من حديث سليمان بن صرد - رضي الله عنه - قال : استب رجلان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده - لو قال - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . الحديث لفظ [ ص: 244 ] البخاري في باب الحذر من الغضب في كتاب الأدب ، ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - ، وكذا رواه الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وهذا لفظه نصا ، وأبو داود ورواه أيضا الترمذي من حديث معاذ بن جبل بمعناه . وروي هذا اللفظ من التعوذ أيضا من حديث جبير بن مطعم ، ومن حديث عطاء بن السائب عن السلمي عن ابن مسعود . وقد روى أبو الفضل الخزاعي عن المطوعي عن الفضل بن الحباب عن روح بن عبد المؤمن ، قال : قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت : أعوذ بالسميع العليم . فقال لي : قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإني قرأت على سلام بن المنذر فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإني قرأت على عاصم بن بهدلة فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإني قرأت على زر بن حبيش فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإني قرأت على عبد الله بن مسعود فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإني قرأت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : يا ابن أم عبد قل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) هكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ .

حديث غريب جيد الإسناد من هذا الوجه ( ورويناه مسلسلا ) من طريق روح أيضا قرأت على الشيخ الإمام العالم العارف الزاهد جمال الدين أبي محمد ، محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الجمالي النسائي مشافهة فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على الشيخ الإمام شيخ السنة سعد الدين محمد بن مسعود بن محمد الكارزيني فقلت : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي الربيع علي بن عبد الصمد بن أبي الجيش : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على والدي : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على محيي الدين أبي محمد [ ص: 245 ] يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على والدي أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي الحسن علي بن يحيى البغدادي أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على هناد بن إبراهيم النسفي : أعوذ بالسميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على محمود بن المثنى بن المغيرة . أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي عصمة محمد بن أحمد السجزي : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي محمد عبد الله بن عجلان بن عبد الله الزنجاني : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على أبي عثمان سعيد بن عبد الرحمن الأهوازي : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على محمد بن عبد الله بن بسطام : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على روح بن عبد المؤمن : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على يعقوب بن إسحاق الحضرمي : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على سلام بن المنذر : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على عاصم بن أبي النجود : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على زر بن حبيش : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على عبد الله بن مسعود : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله [ ص: 246 ] من الشيطان الرجيم . فإني قرأت على جبريل : أعوذ بالله السميع العليم فقال لي : قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ثم قال لي : جبريل هكذا أخذت عن ميكائيل وأخذها ميكائيل عن اللوح المحفوظ .

( وقد أخبرني ) بهذا الحديث أعلى من هذا شيخاي الإمامان ، الولي الصالح أبو العباس أحمد بن رجب المقرئ وقرأت عليه ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، والمقرئ المحدث الكبير يوسف بن محمد السومري البغداديان فيما شافهني به ، وقرأ على أبي الربيع بن أبي الحبش المذكور ، وأخبرني به عاليا جدا جماعة من الثقات منهم أبو حفص عمر بن الحسن بن مزيد بن أميلة المراغي ، وقرأت عليه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، عن شيخه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري ، قال : أخبرنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي في كتابه فذكره بإسناده ، وروى الخزاعي أيضا في كتابه المنتهى بإسناد غريب عن عبد الله بن مسلم بن يسار قال : قرأت على أبي بن كعب فقلت : أعوذ بالله السميع العليم فقال : يا بني عمن أخذت هذا ؟ قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما أمرك الله عز وجل .

( الثانية ) دعوى الإجماع على هذا اللفظ بعينه مشكلة والظاهر أن المراد على أنه المختار فقد ورد تغيير هذا اللفظ والزيادة عليه والنقص منه كما سنذكره ونبين صوابه ( وأما أعوذ ) فقد نقل عن حمزة فيه ، أستعيذ ، ونستعيذ ، واستعذت ، ولا يصح ، وقد اختاره بعضهم كصاحب الهداية من الحنفية قال : لمطابقة لفظ القرآن يعني قوله تعالى : ( فاستعذ بالله ) وليس كذلك وقول الجوهري : عذت بفلان واستعذت به ، أي : لجأت إليه ، مردود عند أئمة اللسان ، بل لا يجزي ذلك على الصحيح كما لا يجزي : أتعوذ ، ولا تعوذت ، وذلك لنكتة ذكرها الإمام الحافظ العلامة أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الرحمن بن النقاش - رحمه الله تعالى - في كتابه ( اللاحق السابق والناطق الصادق ) في التفسير فقال : بيان الحكمة التي لأجلها [ ص: 247 ] لم تدخل السين والتاء في فعل المستعيذ الماضي والمضارع فقد قيل له : استعذ ، بل لا يقال إلا أعوذ دون أستعيذ وأتعوذ واستعذت وتعوذت ، وذلك أن السين والتاء شأنهما منه أن الدلالة على الطلب فوردتا إيذانا بطلب التعوذ فمعنى استعذت بالله أطلب منه أن يعيذك . فامتثال الأمر هو أن يقول ، أعوذ بالله ; لأن قائله متعوذ ، أو مستعيذ قد عاذ والتجأ والقائل أستعيذ بالله ليس بعائذ ، إنما ، وهو طالب العياذ كما تقول أستخير ، أي : أطلب خيرته ، وأستقيله أي : أطلب إقالته وأستغفره وأستقيله ، أي : أطلب مغفرته ; في فعل الأمر إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذية ، فإذا قال المأمور : أعوذ بالله ، فقد امتثل ما طلب منه ، فإنه طلب منه نفس الاعتصام والالتجاء وفرق بين الاعتصام وبين طلب ذلك ، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجأ معتصما بالله أتى بالفعل الدال على طلب ذلك فتأمله . قال : والحكمة التي لأجلها امتثل المستغفر الأمر بقوله لها : أستغفر الله أنه يطلب المغفرة التي لا تتأتى إلا منه بخلاف العياذ واللجأ والاعتصام فامتثل الأمر بقوله : أستغفر الله ، أي : أطلب منه أن يغفر لي ، انتهى . ولله دره ما ألطفه وأحسنه ، فإن قيل فما تقول في الحديث الذي رواه الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره : حدثنا أبو كريب ، ثنا عثمان بن سعيد ، ثنا بشر بن عمارة ، ثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس قال : أول ما نزل جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - قال : يا محمد استعذ ، قال : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم . ثم قال : بسم الله الرحمن الرحيم . اقرأ باسم ربك ؟ قلت : ما أعظمه مساعدا لمن قال به لو صح فقد قال شيخنا الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير - رحمه الله - بعد إيراده : وهذا إسناد غريب . قال : وإنما ذكرناه ليعرف ، فإن في إسناده ضعفا وانقطاعا . قلت : ومع ضعفه وانقطاعه وكونه لا تقوم به حجة ، فإن الحافظ أبا عمرو الداني - رحمه الله تعالى - رواه على الصواب من حديث أبي روق أيضا عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال : أول ما نزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه [ ص: 248 ] الاستعاذة . قال : يا محمد قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ثم قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم .

والقصد أن الذي تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعوذ للقراءة ولسائر تعوذاته من روايات لا تحصى كثرة ذكرناها في غير هذا الموضع هو لفظ : أعوذ ، وهو الذي أمره الله تعالى به وعلمه إياه فقال : " وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، قل أعوذ برب الفلق ، قل أعوذ برب الناس " ، وقال عن موسى - عليه السلام - " أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، إني عذت بربي وربكم " ، وعن مريم - عليها السلام - " أعوذ بالرحمن منك " وفي صحيح أبي عوانة عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل علينا بوجهه فقال : تعوذوا بالله من عذاب النار ، قلنا نعوذ بالله من عذاب النار ، قال : تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . قلنا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . قال : تعوذوا بالله من فتنة الدجال . قلنا نعوذ بالله من فتنة الدجال فلم يقولوا في شيء من جوابه - صلى الله عليه وسلم - نتعوذ بالله ، ولا تعوذنا على طبق اللفظ الذي أمروا به كما أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقل أستعيذ بالله ، ولا استعذت على طبق اللفظ الذي أمره الله به ، ولا كان - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعدلون عن اللفظ المطابق الأول المختار إلى غيره ، بل كانوا هم أولى بالاتباع وأقرب إلى الصواب وأعرف بمراد الله تعالى ، كيف وقد علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يستعاذ فقال : إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال . رواه مسلم وغيره ، ولا أصرح من ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث