الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح

2220 حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى واللفظ لأبي الطاهر قالا أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس قال ابن شهاب فحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها قال فمن أعدى الأول وحدثني محمد بن حاتم وحسن الحلواني قالا حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره أن أبا هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله بمثل حديث يونس وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا أبو اليمان عن شعيب عن الزهري أخبرني سنان بن أبي سنان الدؤلي أن أبا هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا عدوى فقام أعرابي فذكر بمثل حديث يونس وصالح وعن شعيب عن الزهري قال حدثني السائب بن يزيد ابن أخت نمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عدوى ولا صفر ولا هامة

التالي السابق


قوله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة : ( لا عدوى ، ولا صفر ، ولا هامة ، فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فيجيء البعير الأجرب ، فيدخل فيها ، فيجربها كلها ؟ قال : ( فمن أعدى الأول ) وفي رواية : ( لا عدوى ، ولا طيرة ، ولا صفر ، ولا هامة ) وفي رواية : ( أن أبا هريرة كان يحدث بحديث ( لا عدوى ) ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال : ( لا [ ص: 378 ] يورد ممرض على مصح ) ثم إن أبا هريرة اقتصر على رواية حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) وأمسك عن حديث ( لا عدوى ) فراجعوه فيه ، وقالوا له : إنا سمعناك تحدثه ، فأبى أن يعترف به . قال أبو سلمة الراوي عن أبي هريرة : فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر ؟ ) قال جمهور العلماء : يجب الجمع بين هذين الحديثين ، وهما صحيحان . قالوا : وطريق الجمع أن حديث ( لا عدوى ) المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى . وأما حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره .

فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله ، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره .

فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء ، ويتعين المصير إليه . ولا يؤثر نسيان أبي هريرة لحديث ( ولا عدوى ) لوجهين : أحدهما أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته عند جماهير العلماء ، بل يجب العمل به . والثاني أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة ؛ فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وحكى المازري والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) منسوخ بحديث ( لا عدوى ) وهذا غلط لوجهين : أحدهما أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين ، ولم يتعذر ، بل قد جمعنا بينهما .

والثاني أنه يشترط فيه معرفة التاريخ ، وتأخر الناسخ ، وليس ذلك موجودا هنا .

وقال آخرون : حديث ( لا عدوى ) على ظاهره ، وأما النهي عن إيراد الممرض على المصح فليس للعدوى ، بل للتأذي بالرائحة الكريهة ، وقبح صورته ، وصورة المجذوم . والصواب ما سبق . والله أعلم .

[ ص: 379 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا صفر ) فيه تأويلان : أحدهما المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر ، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه ، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة . والثاني أن الصفر دواب في البطن ، وهي دود ، وكانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع ، وربما قتلت صاحبها ، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب ، وهذا التفسير هو الصحيح ، وبه قال مطرف وابن وهب وابن حبيب وأبو عبيد وخلائق من العلماء ، وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث ، فيتعين اعتماده ، ويجوز أن يكون المراد هذا والأول جميعا ، وأن الصفرين جميعا باطلان ، لا أصل لهما ، ولا تصريح على واحد منهما .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا هامة ) فيه تأويلان : أحدهما أن العرب تتشاءم بالهامة ، وهي الطائر المعروف من طير الليل وقيل : هي البومة . قالوا : كانت إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه ، أو بعض أهله ، وهذا تفسير مالك بن أنس .

والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت ، وقيل : روحه [ ص: 380 ] تنقلب هامة تطير ، وهذا تفسير أكثر العلماء ، وهو المشهور . ويجوز أن يكون المراد النوعين ، فإنهما جميعا باطلان ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك ، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك .

و ( الهامة ) بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره ، وقيل : بتشديدها ، قاله جماعة ، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاري الإمام في اللغة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث